Wednesday, March 28, 2012

كيمياء الصلاة ـ سدرة المنتهى

في الجزء الخامس و الأخير من هذه السلسلة، يركز الكاتب على هيئة الجلوس في الصلاة و على الكلمات التي ‏‏تردد فيها، و كالعادة، حاول الوقوف عند كل كلمة و الغوص في معانيها و ذلك بالعودة إلى أصولها اللغوية و دلالاتها القرٱنية.


استراحة المجاهد
الجلوس بالنسبة للكاتب هو بمثابة استراحة المحارب أو المجاهد بمعناه الواسع أي الذي يبذل جهده في التفكير و التخطيط و الإبداع و البناء و في كل عمل يرجى به وجه الله. إنها الاستراحة التي تجعل المصلي يقيم صلاته ما انقضى منها و ما بقي و ينظر فيها إلى حياته و وعوده و أهدافه.

التحيات لله الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن ‏ ‏محمدا ‏‏عبده ورسوله .
اللهم صل على محمد و على ٱل محمد كما صليت على إبراهيم و على ٱل إبراهيم و بارك على محمد و على ٱل محمد كما باركت على إبراهيم و على ٱل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

التحيات لله
التحية لغة هي الدعاء بالحياة، و لكن هذا المعنى يصبح غير مقبول إذا ارتبط بالله عز و جل. لذلك عاد الكاتب إلى دعاء الحياة الأولى المذكور في الٱذان "حي على الصلاة"، فاستنتج من ذلك أن التحيات لله معناها الحقيقي هو الحياة لله و بالله، أي الحياة من أجل هدف و رسالة و ذلك مع امتثال أوامر الله تعالى.

الصلوات الطيبات


1. ارتبطت كلمة "الطيب" في القرٱن بثلاثة مفاهيم و هي : الإنسان، المفهوم، المأكل.

انطلق الكاتب من معنى الأرض الطيبة، أي التي تصلح للنبات و الإثمار، فاستنتج بقية المعاني، فالإنسان الطيب هو الإنسان المثمر المنتج الإيجابي، و المفهوم أو القول الطيب هو القول المثمر الذي له تأثير إيجابي على الآخرين.

العامل المشترك إذن بين كل هذه المفاهيم هو الإثمار، و هكذا نخلص أن الصلاة تجعلنا مثمرين و تساعدنا على استثمار الجانب الخصب الذي في داخلنا. 

2 . إلى جانب الصلاة الطيبة، هناك صلاة غير طيبة لا تساهم في جعل المصلي فاعلا أو مؤثرا، و هناك أخرى تقوم بمفعول عكسي تماما، فتولد التقاعس و الغرور. 

3. الربط بين الحياة لله و الصلاة الطيبة هي التي تنتج الحياة الطيبة التي تتميز بالإيمان و العمل الصالح.

السلام عليك أيها النبي ورحمة الله تعالى وبركاته
  
أيها النبي

1. أول مرة يذكر فيها الرسول في الصلاة هي في التشهد، و قد عزا الكاتب ذلك إلى أن كل ما كان قبل ذلك كان موجها لله تعالى، الوقوف و الركوع و السجود، أما الجلوس فيشبه وضعية التعلم و التلقي و كأنه صلى الله عليه و سلم جالس معنا يعلمنا و يوجههنا.

2. ذكر الرسول صلى الله عليه و سلم بعد الحياة لله و الصلاة الطيبة له دلالة عميقة، فحتى يتمكن الإنسان من أن يحيى حياة هادفة و مثمرة و يكون فاعلا في بيئته يحتاج إلى مثال حي يستمد منه القوة و يلهمه إلى الصواب و يقتدي به، و خير قدوة لنا هو الرسول عليه الصلاة و السلام الذي كان قادرا على تحقيق التوازن بين الفكر و السلوك و إنزال النظرية إلى أرض الواقع.

3. ينقسم الرسل إلى فئتين :
  • رسل بدأوا من الصفر و تمكنوا من هداية البعض دون النجاح في بناء مجتمع جديد مثل نوح عليه السلام.
  • رسل بعثوا لقوم مؤمنين و كان دورهم الإصلاح و الترميم مثل عيسى عليه السلام.
أما الرسول عليه أفضل الصلاة و السلام فإنه خارج التصنيف، فهو الوحيد الذي استطاع في حياة واحدة أن يكون حضارة من الصفر و أن يشاهد ٱثار التغيير الذي قام به.


السلام، الرحمة، البركات : دورة في الإنماء


السلام علينا
عملية السلام أو النجاة من النقائص لا يمكن أن تكون فردية، بل يجب أن تكون منظومة مجتمعية و هدفا مشتركا لأن كل المجتمع يؤثر في بعضه البعض و إصلاح فرد دون ٱخر سيبوء بالفشل لأن الفئات الفاسدة ستؤثر سلبا على الٱخرين.

على عباد الله الصالحين
الصالح ليس هو ذلك الشخص الزاهد المتفرغ للعبادة، إنه حسب القرٱن الكريم ذلك الإنسان الذي يخدم مجتمعه و عالمه بالرغم من كل العوائق و الضغوطات (نوح)، و الذي يسخر نعم الله في تعمير الأرض (سليمان). الصالحون هم الذين تكون الأرض كلها إرثا لهم، لأنهم استحقوها عبر الإيمان و العمل الصالح.

الرسول و النبي
في هذا الفصل حاول الكاتب توضيح الفرق بين الرسول و النبي، و بيان مكانة الرسول صلى الله عليه و سلم في محاولة لنسف الفكرة السائدة التي مفادها أن الطاعة واجبة للرسول و ليس للنبي لأن الأول كلف بالتبليغ أما الثاني فلا.

فيما يلي الملاحظات التي قام بها و الاستنتاجات التي خلص إليها :
 
الملاحظة
الاستنتاج
ينقسم الرسل و الأنبياء في القرٱن إلى ثلاثة أقسام:
1. رسل لم يقل عنهم أنهم أنبياء : هود، صالح ، شعيب
2. رسل و أنبياء : لوط و نوح
3. أنبياء لم يقل عنهم أنهم رسل : يحيى، عيسى، إبراهيم، إسحاق، يعقوب، موسى، هارون، إسماعيل، إدريس، داوود،  سليمان، يوسف، إليسع، إلياس، أيوب، ذو الكفل، يونس
الرسل التي لم يقل عنها أنها أنبياء أي هود و صالح و شعيب، كان دورهم ينحصر في النصيحة و الإنذار بالعذاب. أما الرسل الأنبياء و هم لوط و نوح، حاولوا إنقاذ قومهم ببناء مجتمع جديد على أسس جديدة.

من هنا خلص الكاتب أن مفهوم الرسالة مرتبط بالنظرية و العقيدة، أما مفهوم النبوة فمرتبط بالعمل و السلوك و التطبيق، و لذلك كان الرسول خاتم الأنبياء و ليس خاتم الرسل.
"وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ"
سورة الزخرف الٱية 6.
كل نبي رسول و ليس كل رسول نبي كما هو شائع
"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ"
سورة الحج الٱية 52
لفظ الرسول لا يغطي لفظ النبي أي أن مفهوم النبوة أعلى من مفهوم الرسالة.
لم يخاطب الرسول بالنبي إلا في السور المدنية، ما عدا في سورتين مكيتين ارتبط اللفظان معا.
النبوة مرتبطة بالعمل و التطبيق و البناء.
في القرٱن المكي يوجد ذكر الرسول دون النبي.
الفترة المكية كانت مخصصة لبناء الأسس و الأفكار و المفاهيم.
في القرٱن المدني يوجد ذكر الرسول، و هذا يعني أن العمل و البناء يجب أن يكون على أساس القيم و العقيدة السليمة.
لا فصل بين الرسول و النبي لأن العمل يجب أن يرتبط بالنظرية، و السلوك يجب أن يرتكز على الفكر.
ٱيات الطاعة والاتباع للرسول كانت كلها مدنية، و الاتباع أقوى من الطاعة، فالطاعة انقياد لأمر واضح و محدد أما الاتباع فأن "تراه فتمضي خلفه".
الطاعة واجبة للنبي أيضا لأنه يكمل و يتمم الرسول.
الوحيد الذي قيل عنه النبي بالتعريف هو الرسول صلى الله عليه و سلم. و قد ذكر في الإنجيل أيضا بهذا اللفظ.
الرسول صلى الله عليه و سلم هو النبي بالمطلق لأنه استطاع القيام بما لم يقم به بقية الأنبياء و هو الانطلاق من مجتمع تحت الصفر و يجعله حضارة عظيمة.
عدم مخاطبة الرسول صلى الله عليه و سلم باسمه في القرٱن.
عدم انفصال شخص النبي عن الرسالة.
الشهادة للرسول و ليس للنبي
الرسالة هي المدخل لاعتناق الدين لأن لها علاقة بالعقيدة و الفكر.

و نظرا لمكانة الرسول، فإن ذكره يتعدى الزمان و المكان، إنه قدوتنا و حاضر معنا بسنته و أفعاله و ما قدمه لهذه الأمة.

تحريك الأصبع
هذه الحركة الصغيرة التي نقوم بها في الصلاة إنما تدل على أن الشهادة ليست مجرد لفظ و حسب بل يجب أن تقترن دائما بالحركة والعمل.

اللهم صل على محمد

الإطار العام للصلاة على النبي

ورد الأمر بالصلاة على النبي في سورة الأحزاب التي تتضمن نقطتين أساسيتين :
.1 الفصل في العلاقات بين كل أفراد المجتمع، بين الٱباء و الأبناء، بين الأزواج و الزوجات، بين الرجل و المرأة، و ذلك بشكل حاسم و واضح لا يدع مجالا للشك أو الغموض ويضع النقط على الحروف و يرسم الضوابط و الحدود.

و قد نزلت هذه السورة في غزوة الخندق، و كأن خنادق الٱيات جاءت لإنقاذ المجتمع و حمايته، حيث إن هذه العلاقات إن لم تحدد و تفصل جيدا، ستؤدي إلى مشاكل كبيرة تعيق تطور المجتمع.

 .2تحديد علاقة المؤمنين بالنبي فالنبي هو الأسوة و القدوة و المؤثر في حياتنا، و لكن هذا التأثير لن يطالنا إلا إذا كنا طرفا فاعلا في علاقتنا معه و كنا متلقين إيجابيين متفاعلين مع سنته.

الهدف من الصلاة على النبي

الهدف من الصلاة على النبي هو تحديد الخطوط الحمراء التي لا يجب أن نتخطاها في علاقتنا معه و مع الأنبياء عموما و هي:
  1. تقديس الأنبياء و الغلو في اتباعهم  حتى يصيروا أوثانا . 
  2. إيذائهم والانتقاص منهم و عدم احترام مكانتهم.
جاءت الصلاة على النبي إذن للرد على الذين يحاولون تأليه الرسل أو التشكيك في مكانتهم حتى تنتفي ضرورة اتباعهم، فدعاؤنا له بالسلام دليل على خلوه من النقائص و في نفس الوقت على أنه عبد من عباد الله.

و تفيد هذه الصلاة أيضا الثناء عليه و التمجيد له و إمداده بالنصرة حتى بعد وفاته صلى الله عليه و سلم، لأن حياة كل واحد فينا هي مكملة لمسيرته و تتبع نهجه و سنته صلى الله عليه و سلم.

الصلاة على الإنسان
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.
سورة البقرة الٱيات 155، 156، 157

من خلال هذه الٱيات، نستنتج أن من يستحقون صلوات الله هم الصابرون المصرون على تجاوز المخاض و إيجاد معنى الحياة الحقيقية، المتوكلون على الله و المخلصون له و المحتسبون أمرهم له.

معنى الصلوات

المعنى المتعارف عليه : الصلاة من الله تعني الرحمة و من الملائكة تعني الاستغفار.

المعنى الذي يطرحه الكاتب:
من خلال القرٱن، وجد الكاتب أن الرحمة بالمؤمنين لها علاقة بإخراجهم من الظلمات إلى النور، و هذا الخروج مرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالكتاب و الرسالة و النبي. فالمؤمنون الصابرون يحتاجون إذن إلى نموذج يمدهم بالقوة و المزيد من الصبر و يدفعهم إلى الأمام، إنهم يحتاجون إلى النبي صلوات الله عليه.

و بارك على محمد
الدعاء للرسول بالبركة، أي باستمرار رسالته و تحديها للزمن و التغيرات.

كما صليت على إبراهيم...، كما باركت على إبراهيم
  1. الصلاة على الأنبياء تكون مرتبطة بوقت رسالتهم أما الصلاة على النبي فهي مستمرة و مستقلة عن الزمن. 
  2. تكامل مسيرة الأنبياء و استمرارها في الزمن.
المفهوم المضيء للٱل
"مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً "
سورة الأحزاب الٱية 40
  1. الهدف من هذه الآية نسف علاقة النسب إلى الرسول صلى الله عليه و سلم و نفيها عن الجميع، و ذلك حتى لا تستغلها بعض النفوس الضعيفة في تقديس أشخاص و إعطائهم خصوصية أو ميزة على حساب ٱخرين.
  2. النسب إلى الرسول يكون باتباعه و السير على خطاه و إكمال مسيرته.

الفرق بين الٱل و أهل البيت

يوضح الكاتب كيف وقع الخلط بين "ٱل البيت" و "الٱل"، فالأولى تعني من ينتمون إلى بيت النبوة، أما الثانية فتعني الأتباع، و ذلك استنادا إلى القرٱن و تفسيرات العلماء. و هذا المعنى الجديد ينسجم مع منظومة الصلاة.

خاتمة
أنهى الكاتب الكتاب بحديثه عن حجر الفلاسفة الذي حاول الكثير من الناس البحث عنه لاعتقادهم أنه الحل لكل المشاكل و مصدر السعادة، في حين لدينا كنز ثمين نحتاج إلى فهمه و استغلاله كما يجب لنستفيد منه، إنه حجر النهضة القادر على أن يجلو الصدأ من على نفوس الناس و يخرج جوهر معادنهم الأصيلة، إنها كيمياء الصلاة!

No comments:

Post a Comment