Wednesday, May 15, 2019

شجرة الزيتون



"أترى الشجرة التي ترتفع فوق تلك الهضبة، هناك خلف ذلك السور الأبيض؟" "نعم ماما" "إنها زيتونة جدك". هذا ما قلته لابني ذي الأربع سنوات عندما مررنا من جانب المقبرة حيث دفن والدي. أما الشجرة فهي شجرة الزيتون الوحيدة في تلك المقبرة المكتظة بالقبور. لا يمكن أن تخطئ قبره، يكفي أن تبحث عن شجرة الزيتون حتى تجده ملتصقا بها يستظل بظلها. توفي والدي أو "با عبد الله" كما يناديه أغلب شباب مدينتنا في نفس هذا اليوم من العام الماضي. توفي يوم الجمعة التاسع من شهر رمضان بين صلاتي العصر و المغرب. توفي و سبابته ترتفع إلى السماء كما حكى لنا أخي الذي كان معه في لحظاته الأخيرة. مر عام كامل على وفاته، كان عاما حافلا بالأحداث، أحداث مفرحة تمنيت لو شاركنا إياها و أخرى محزنة فرحت أنه لم يشهدها. مر عام كامل، و لكني ما زلت أحس أنه معنا، ما زلت أتوقع رؤيته في الأماكن التي اعتاد أن يتواجد فيها. ما زلت أحلم به مرارا و تكرارا مع العلم أني لم أكن أحلم به كثيرا قبل وفاته. ما زلت أشتاق إلي تلك الأيام التي كان يقول لنا فيها : "أ لم تملوا الجلوس في البيت؟ هيا حضروا أنفسكم لنذهب في نزهة". ما زلت أتذكر ردة فعله الطفولية عندما يعود من المتجر و يجدني قد جئت لزيارتهم فيهتف فرحا : "هييي جاءت صغيرتييي". ما زلت أشم رائحة المسك التي كان يتطيب بها ليذهب إلى الصلاة و ما زال القرءان الذي كان يتلوه يتردد على مسامعي.
*****
كشجرة الزيتون التي تعرف بأغصانها الصلبة و مقاومتها للظروف المناخية القاسية، كان والدي رجلا عصاميا معتمدا على نفسه و له قدرة كبيرة على التأقلم مع الظروف. لم تكن حياته سهلة أبداً و إن كانت نفسيته تظهر عكس ذلك. ولد والدي في إحدى الجبال شمال المغرب. توفيت والدته بين ذراعيه و هو لا يزال طفلا صغيرا، فبقي وحده مع والده يتعاونان معا على أعباء المنزل و يهتم كل واحد منهما بالآخر حتى توفي جدي بدوره بعد ذلك بوقت قصير أي عندما كان والدي في سن المراهقة. و بالرغم من أنه كان أصغر إخوته إﻻ أنه اضطر إلى ترك الكتاب على مضض و العمل حتى يعيل نفسه، فعمل في الفلاحة و الرعي و صناعة اﻷحذية. و عندما تزوج من والدتي و رزق بأخي و أختي الكبيرين، قرر التوجه إلى المدينة و عمل بها إسكافيا مدة من الزمن. كان دخله من هذه المهنة متواضعا جدا و لكنه بدل أن يتذمر و يشكو حظه العاثر، كان يكد في عمله و يزاوله بكل إتقان و جدية، فكسب بذلك ثقة الناس و احترامهم. ثم أخيرا وجد ضالته في التجارة و تخصص في بيع أدوات الخياطة. كان المتجر حيث يبيع والدي صغيرا و لكنه كان يحتل مركزاً استراتيجيا في المدينة مما جعله يعرف بسرعة عند الجميع، إلا أن ما جعله وجهة الناس بالدرجة الأولى هو بشاشته و حسن طبعه و أخلاقه العالية .
و كان أبي طوال حياته صبورا راضيا بالرغم من إصابته بمشاكل صحية كثيرة، فقد أصيب قبل وفاته بفشل كلوي، و عانى من مشاكل في الضغط سببت له شللا في يده و قدمه اليسرى و قبلها عانى من الصداع المزمن و فقر الدم الحاد و الدوالي، و مع ذلك لم أره يوما يشتكي من مرضه أو يعبر عن ألمه، بل لم تكن تفارق لسانه عبارة : "أنا بخير و الحمد لله"، و كان دائما متفائلا يظن بالله خيرا و يؤمن أن كل شيء سيكون على ما يرام.
*****
و كشجرة الزيتون التي تتميز بثمارها الوفيرة و النافعة، كان أبي كريما معطاءا نافعا. منذ نعومة أظافري و أنا أرى بيتنا وجهة للعائلة كلها سواء من جهة أبي أو أمي. فبحكم أن غالبية أقاربنا كانوا يسكنون في البادية فقد كانوا يتوافدون على بيتنا كلما نزلوا إلى المدينة لقضاء أغراضهم كزيارة طبيب أو الدراسة في مدرسة ثانوية أو البحث عن عمل... و حتى عندما يطول مكوثهم لم يكن ذلك يزعج والدي على اﻹطلاق، بالرغم أن منزله كان صغيرا و ظروفه المادية متواضعة، بل كان دائما يتفاءل بالضيوف و يعتبرهم مجلبة للرزق، و كان يكرمهم و يحسن معاملتهم، و كذلك كانت تفعل أمي.
و بنفس الكرم كان يعامل أبي زبناءه في المتجر. فمذ كنت في الصف الخامس و حتى وصلت إلى الثانوية العامة اعتدت أن أعين والدي في المتجر في العطلة الصيفية. و لاحظت كم كان أبي صبورا مع الناس و كريما معهم. فإذا جاء الزبون يطلب بضاعة ذات ثمن زهيد كاﻹبر أو الخيوط كان يعطيها له دون مقابل أو يعطيه كمية كبيرة بثمن بخس. و إذا جاء شخص يريد بضاعة و بدأ يشكو قلة حيلته و عدم قدرته على دفع ثمنها كان أبي يبيعه إياها على أن يدفع الزبون ثمنها متى استطاع. و عندما يريد زبون مترا أو مترين من بضاعة ما كان يوفي له القياس بل يعطيه أحياناً أضعاف ما طلب. و تحكي لنا والدتي أنه كان لأبي دفتر يدون فيها ديون زبنائه، فقرر ذات يوم أن يحرقه، فمن جاء يرد له دينه بعد ذلك كان مشكورا و من لم يعد سامحه في الدنيا و الآخرة.
في المدة التي قضيتها في المتجر ازددت قربا من والدي و اكتشفت جوانب أخرى من شخصيته، فزدت احتراما له و اعتزازا به. و عرفت بل و أحسست قدر العناء الذي يتكبده كل يوم حتى يربينا أنا و إخوتي الخمسة. كانت تجربة فارقة في حياتي، تعلمت فيها من والدي قيمة العمل و التفاني و تحمل المسؤولية و عرفت أن المال ليس غاية في ذاته و إنما وسيلة ننفع بها أنفسنا و اﻵخرين.
و ما زال كرم والدي يؤتي أكله حتى بعد وفاته، فهذا رجل لا نعرفه يعلم بموت أبي فيأتي من مدينة بعيدة ليعزي أمي و يحضر لها بين الفينة و الأخرى ما تيسر من إنتاج مزرعته عرفانا و امتنانا لكرم أبي معه. و هذه امرأة حامل كانت من زبناء المتجر توصي والدها أن يزور أمي و يبشرها برؤيا جميلة رأت فيها والدي. و هذه سيدة تعمل خياطة تعين أمي على حمل قفة السوق إلى البيت إكراما لصنيع أبي معها. و قصص كثيرة من هذا القبيل. ربما لم يكن أبي غنيا و لم يترك لنا إرثا ماديا يذكر و لكنه ترك لنا ما هو أثمن من ذلك بكثير، ترك لنا حب الناس و احترامهم و تقديرهم.
*****
و كشجرة الزيتون التي ترمز للسلام و الصفاء و المحبة، كان أبي إنسانا مسالما بشوشا مرحا ينشر البهجة و السرور أينما حل. لم أسمع أبي قط يشتم أحدا أو يسخر من أحد أو ينتقد لمجرد الانتقاد أو يمشي بالنميمة بين الناس، بل كان بطبيعته قليل الكلام و إذا تكلم ففي أموره الشخصية أو في اﻷحداث التي تدور في العالم، و إذا انتقد شخص ما أمامه حاول البحث له عن عذر، و إذا أغضبه أحد كان يفضل الصمت و عدم الرد عليه.
و كان أبي اجتماعيا حسن الظن بالناس، فإذا التقى شخصا ابتسم في وجهه و بادر بالسلام عليه، و إذا التقى شخصا يتحدث بلهجة مختلفة حاول هو جاهدا أن يتحدث بلهجة ذلك الشخص احتراما له و تقريبا للمسافات. ما زال زوجي يتذكر يوم جاء إلى بيتنا أول مرة لخطبتي و كيف خرج أبي لاستقبالهم خارج البيت فتوجه إليه يعانقه و يربت على كتفه و كأنه يعرفه منذ زمن بعيد و هو يقول له : "مرحبا بك يا بني". و هذا ما جعل زوجي يحبه و يحترمه من الوهلة الأولى.
و كان أبي إيجابيا له نظرة متفائلة للحياة و المستقبل و لم يكن يحمل اﻷمور أكثر من طاقتها بل كان يتعامل معها ببساطة و مرونة استثنائيين. و كان له طريقة فريدة في طرح اﻷسئلة، فإذا أراد أن يسألني عن أحوالي لم يكن يستعمل دائما عبارات تقليدية من قبيل "كيف حالك؟" أو "ما أخبار العمل؟" أو "ما أحوال الدراسة؟"، بل كان يصوغ اﻷسئلة بطريقة يبدي فيها تفاؤله، كأن يقول : "أنت بخير يا ابنتي أليس كذلك؟" أو "تحرزين تقدما في رسالة الدكتوراة، أليس كذلك؟" أو "اﻷمور جيدة في العمل أليس كذلك؟". و هكذا كان أسلوبه ينقل لك العدوى فتصبح إيجابيا بدورك.
من الذكريات التي جمعتني بوالدي في نهاية حياته هي تجربة تعلمي للسياقة. لقد كان هو أكثر شخص يدفعني إلا التمرن و يشجعني و يقترح علي من تلقاء نفسه أن يخرج معي ليعلمني حتى عندما كان مريضا و منهكا. و بالرغم أني لم أكن واثقة من قدرتي على السياقة، إلا أن ثقته بي كانت تزيدني قوة. و على عكس ما هو معروف عن الرجال أنهم صارمون جدا و عصبيون عندما يتعلق اﻷمر بتعليم السياقة، كان أبي لينا حنونا يعرف كيف يوصل المعلومة و كيف يتصرف إذا بدر مني خطأ ما، و كان دوماً كلامه إيجابيا محفزا من قبيل : "ما شاء الله! إنك تتعلمين بسرعة" أو "إنك تجيدين السياقة فعلا، ليس عليك اﻵن إلا أن تتشجعي و تسوقي وحدك" و كنت إذا تملكني الخوف و التوتر و أردت العودة إلى البيت يقول "نعود؟ لا لا بل سنكمل طريقنا خارج المدينة!". فكان نعم المعلم و نعم  المرافق.
*****
و كشجرة الزيتون تلقي بظلالها على الناس كان والدي يظلنا بحنانه و يغمرنا بطيبته و رقته. لا أذكر يوما ضربني فيه أبي أو عنفني أو عاقبني أو صرخ في وجهي. بل كان دائما يعاملني و إخوتي برفق و لين و إذا أخطأنا يقومنا بالتي هي أحسن. و مع ذلك، كنا نحترمه و نجله و نخاف أن نغضبه. من الذكريات التي لا أنساها هي أني عندما كنت طفلة صغيرة كان يستعصي علي تسريح شعري لوحدي، و عندما كانت أمي تسرحه لي كانت تحاول أن تفعل ذلك بسرعة لتكمل باقي أشغال البيت فلم تكن تنتبه أنها تؤلمني، فكنت أنادي أبي باكية و أطلب منه أن يسرح شعري بدلا منها. فكان أبي يقبل بابتسامته المعهودة و يمسك المشط و يسرح شعري شيئا فشيئا و يتوقف كل مرة ليسألني : "هل أؤلمك؟" و حين أجيب بالنفي يستأنف العمل بكل رقة حتى يكمل المهمة.
و في ليال كثيرة خاصة عندما تنقطع الكهرباء، كان والدي يجمعنا فنلتف كلنا حوله، فيحكي لنا ما في جعبته من الحكايات الطريفة و القصص الشعبية و يتحدانا بألغاز معجزة تلقنها في الجبل حيث قضى طفولته و شبابه. كان أسلوبه في السرد ممتعا و مشوقا، و كانت تلك ليال جميلة و دافئة قربتني و إخوتي من والدي و من بعضنا البعض. و كان أبي لماحا يعرف ما يحب كل واحد من أبنائه فيتحين الفرصة حتى يحضره له مفاجأة. و قبل أن ينهكه المرض، لم يكن والدي من اﻵباء الذين يستمتعون بسخرة أبنائه، بل كان يقضي أغراضه بنفسه و يجلب ما يريده دون أن يطلب من أحد. و تشهد والدتي له أنه كان زوجا ودودا حساسا، يعينها في أعباء البيت إن تعبت و يساعدها في تربية الأبناء و يحتوي نوبات غضبها و يقف بجانبها في اﻷوقات الصعبة.
و لم يكن والدي يرغمنا على شيء حتى في اﻷمور الدينية، بل كان يعلمنا و ينصحنا و يترك لنا حرية القيام بها. و كانت تربيته لنا بأسلوب القدوة، فعندما قررت أن أبدأ الصلاة لم يكن أبي من أرغمني عليها بل فعلت ذلك لأني كنت دائما أراه يصلي و يقرأ القرءان و كنت أحب هندامه و أحب رائحته العطرة عندما يكون ذاهبا إلى المسجد. فكان هو قدوتي أحاول أن أقلده و أكون مثله. و كذلك اﻷمر في مسألة الحجاب، لم يرغمني أبي على ارتدائه بل علمني و أمي معنى الحشمة و الوقار فكان من الطبيعي أن يأتي يوم أقرر فيه أن ألبس الحجاب من تلقاء نفسي حتى أدخل السرور على قلبي والدي. و هكذا كان يتعامل معنا في كل الأمور الدينية و الدنيوية.
و طوال هذه السنة، كان جميع من يذهب لزيارة قبره يتفقون على نفس الإحساس، و يعبرون عن نفس الانطباع، و هو أنه مهما كان الجو حارا حارقا أو باردا عاصفا، ما أن يصلوا إلى قبره بجانب شجرة الزيتون حتى يحسوا أن الجو فجأة صار لطيفا و ساكنا. و كأن حنان أبي ما زال يغمر الناس حتى بعد وفاته.
*****
و عدا عن كل هذه الصفات، كان والدي محبا للعلم و التعلم. فبالرغم أنه ترك الكتاب صغيرا و لم يدخل مدرسة قط، إلا أنه كان يجيد القراءة و الكتابة باللغة العربية، بل و كان يحاول تعلم اللغات الأخرى أيضا. و كنت أستغرب حين كنت أساعده في المتجر كيف كان يستطيع التفاهم مع سياح من لغات مختلفة و يحاول أن يتحدث معهم بلغتهم. و ما كان يعجبني فيه كثيرا هو بساطته و عفويته، فلم يكن يخاف أن يخطئ في شيء يتعلمه بل كان يبقى واثقا من نفسه متصالحا معها.
و كان والدي متواضعا لا يخجل أن يطلب معلومة من شخص آخر حتى و إن كان أصغر منه سنا و أقل تجربة. بل كان ينصت إليه إنصات التلميذ للأستاذ و يطرح أسئلة كثيرة ليتأكد من أنه فهم جيدا. مرات عديدة كان يحضر أبي هاتفه الذكي و يجلس بجانبي و يقول : "تعالي يا ابنتي اشرحي لي كيف أشغل هذا التطبيق؟" أو يقول : "قولي لي! كيف أستطيع أن أغير هذه الصورة هنا؟" و عندما كنت أرد : "أعطني الهاتف و سأريك كيف تفعل"، كان يجيبني بلهفة المتعلم : "لا لا فقط اشرحي لي ما علي فعله و سأفعله أنا". و كان ذكيا سريع البديهة فلا أضطر أن أشرح أكثر من مرة أو مرتين حتى يكون قد تعلم المطلوب. و كنت أشعر بسعادة غامرة و أنا أعلم أبي شيئا كما كان يفعل معي و أنا طفلة صغيرة. حيث كان يجلسني بجانبه و يكتب الحروف بالتنقيط ثم يضع القلم في يدي و يمسك هو بها و يساعدني على كتابة الحروف. و هكذا كان هو معلمي اﻷول فلم اضطر إلى الذهاب يوما إلى روضة اﻷطفال، بل تعلمت القراءة و الكتابة في البيت قبل أن أدخل المدرسة الابتدائية. و كان والدي يشجعني دوما على الدراسة و التفوق و يفخر بي حين أحتل المراكز اﻷولى، و كنت أنا أبذل قصارى جهدي حتى أراه فخورا بي و أدخل السرور على قلبه.
*****
اعتاد ابني أن يطرح علي بعض الأسئلة الوجودية التي يصعب علي اﻹجابة عليها و كثير منها يتعلق بوالدي. فذات يوم مثلا دار بيننا الحوار التالي :

- ماما ! سأتصل بجدي على الهاتف و أطلب منه أن يأتي لزيارتنا.
- و لكنني أخبرتك قبل اليوم أن الله دعاه ليذهب عنده. 
- أعرف. و لكن بما أنه لبى دعوة الله فسيلبي دعوتي أيضا.  
- لا يمكنه ذلك يا حبيبي فمن يذهب عند الله لا يعود.  
- لماذا؟ إلى أين ذهب ؟ 
- ألم يخبرك بابا أنه في البرزخ اﻵن؟ 
- نعم. و في أي دولة يوجد البرزخ؟ 
- أوه.. لا يوجد في أي دولة. 
- إذا كان لا يوجد في أي دولة، فإنه يوجد في البحر. 
- و لا يوجد في البحر أيضا. في الحقيقة هو لا يوجد على كوكب اﻷرض. 
- إذن يوجد على المريخ!  
- لا. و لا على المريخ.  
- و على أي كوكب هو؟
- لا يوجد على أي كوكب... إنه خارج هذا الكون.  
- همم ... و متى سيأتي جدي من هذا البرزخ ؟ 
- يبدو أنك نسيت مرة أخرى. إنه لا يستطيع المجيئ و لكننا يوما ما سنذهب عنده. 
- إلى البرزخ؟ 
- بل سنلتقي به في مكان آخر. مكان جميل جدا. 
- و ما هو هذا المكان؟ 
- الجنة إن شاء الله.  
- و أين توجد الجنة؟ 
- الله وحده يعرف مكانها. و اﻵن هل يمكن أن نكف قليلا عن اﻷسئلة و نذهب لنلعب بعض الشيء؟

و هنا أطرق ابني في تفكير عميق، أما أنا فمسحت خلسة الدموع التي بدأت تتلأﻷ في عيني قبل أن يلحظها فيغرقني بأسئلته التي لا تنتهي. لقد حاولت قدر اﻹمكان أن أشرح لابني الوضع بشكل مبسط يمكن أن يستوعبه دون أن أخوض في تفاصيل أكبر من سنه. و لكني أرجو من الله أن يتحقق ما قلته له، و أن يكون أبي من أهل الجنة و أن يجمعنا الله به هناك في دار الخلود.
*****
و في النهاية، أود أن أوضح أني لا أزكي على الله أحداً و لا أقول أن أبي كان مثاليا معصوما عن الخطأ، فكلنا بشر نخطئ و نصيب، وفينا صفات حسنة و أخرى سيئة. و لكن روح أبي الجميلة و بساطته و طيبته مع الجميع كانت تطفو على السطح دائما حتى لا تتذكر غيرها. و أشهد الله أنه أدى رسالته كأب على أكمل وجه و أني و إخوتي راضون عنه و فخورون به. و أسأل الله أن يرضى عنه و يرحمه كما ربانا صغارا و رعانا كبارا و أن يدخله في عباده الصالحين و أن يرزقه الفردوس الأعلى.

آمال

3 comments:

  1. جميل جدا. لقد أحببت أباك من مقالك. رحمه الله و جعل مثواه الجنة.

    ReplyDelete
  2. مقال رائع يحتوي كمية مشاعر لاتوصف. رحم الله اباك وجعله من أصحاب الجنة ان اشاء الله

    ReplyDelete
  3. احسنت امال، لمست قلبي ووجداني بكلماتك عن والدنا رحمه الله و اكرمه وجعل مثواه الجنة هو وجميع الموتى. ووددت لو استطيع ان اتحدث انا ايضا عن تجربتي معه كما فعلت ولكن ما زلت لا اجد القدرة على ذلك ربما يوما ما ان شاء الله.
    لكن اود ان اضيف فقط شيئا مميزا عنه و مؤثرا، وهو حبه لما يقوم به وانغماسه فيه بكل حماس سواء تعلق الأمر بعمله في المتجر او بعض الأعمال اليدوية التي كان يتقنها من خياطة او غيرها او عندما يكون في وقت استراحة او متعة مع عائلته، كان يركز على ما يفعله و ينغمس فيه.
    رحمك الله يا ابي و غفر ذنوبك و عفا عنك و عن جميع العباد.
    يارب امين

    ReplyDelete