Monday, August 23, 2021

شيفرة بلال - تحليل


عدد الصفحات : 380

الشخصيات الرئيسية

بلال : مراهق عمره أربعة عشر سنة مريض بالسرطان و محكوم عليه بالموت المؤكد.
لاتيشا : أم بلال، تسكن في بروكلين و تعمل مدرسة.
أمجد حلواني : أمريكي من أصل عربي، يدرس و يحضر الدكتوراه حول تاريخ الشرق الأوسط.
بلال الحبشي : صحابي جليل، أصله من الحبشة. كان مملوكا لأمية بن خلف قبل أن يعتقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه. و كان أول مؤذن في الإسلام.

 

الشخصيات الثانوية

سعيد : أبو بلال، أمريكي من أصل مغربي، انفصل عن أمه بعد ولادته.
عبدول : صديق أمجد، أمريكي من أصل عربي وبالتحديد من الخليج.
كريستين : حبيبة أمجد، و هي أمريكية شقراء تحضر دكتوراه في علم النفس.
جون واشنطون، مايك، جيسيكا : زملاء بلال في الصف.
ووبي، ديان، ماغي : زملاء لاتيشا في المدرسة.
مستر ويد : مدير المدرسة التي تعمل فيها لاتيشا.
ليزا، بوبي، جاك، فريدي، إيدي، كيفن، حكيم، إيميلي، رايان : تلاميذ لاتيشا في المدرسة.
  

ملخص

للرواية خطان زمنيان. الخط الأول يتناول قصة بلال، المراهق الذي يكتشف أنه مريض بالسرطان و أيامه معدودة. بعد رؤيته لدعاية فيلم جديد يحمل اسمه، يحاول بلال أن يتواصل مع كاتب السيناريو أمجد ليعرف المزيد عن موضوع الفيلم قبل طرحه للعرض. في هذه القصة يصف الكاتب طبيعة العلاقة التي تولد بين هاتين الشخصيتين و كذا علاقة لاتيشا بهما، كما يصف التحديات و الهواجس التي واجهت كل هذه الشخوص في الماضي و تلك التي تواجهها حاليا. أما الخط الزمني الثاني فيسرد فيه الكاتب قصة الصحابي الجليل بلال الحبشي، تارة من وجهة نظر أمجد الذي يحكي قصته و أهم محطات حياته قبل و بعد إسلامه، و تارة على لسانه هو حيث يصف الأفكار التي جالت في خاطره و الأحاسيس التي شعر بها أثناء هذه الأحداث. و يوضح الكاتب كيف تداخل الخطان الزمنيان ليصبح بلال الحبشي مؤثرا في بلال المعاصر و كذلك في أمجد و لاتيشا.

 

الأفكار الرئيسية

1. العنصرية

من المحاور الأساسية التي تناقشها الرواية هي موضوع العنصرية و ما ينتج عنها من اضطهاد و تنمر و ظلم. و ليست العنصرية مرتبطة باللون أو العرق فقط، بل يتعلق الأمر بكل اختلاف قد يؤدي إلى احتقار الآخر و اعتباره أقل مرتبة. فمجتمع الجاهلية المتمثل في أمية بن خلف كان يمارس عنصرية تجاه العبيد، فقط بسبب اختلاف لونهم و عرقهم. و لم ينته هذا الوضع إلا بعد مجيء الإسلام الذي جعل التفاضل بين الناس على أساس التقوى و العمل. و قد سار الأوروبيون على نفس النهج عندما قاموا بتهجير الناس من إفريقيا ليستعبدوهم في القارة الجديدة و عاملوهم بطريقة وحشية سواء أثناء فترة سفرهم في السفينة أو بعد وصولهم إلى أمريكا (كما في قصة كونتا كونتي بطل رواية جذور)، إلى أن جاء أبراهام لينكولن بعد ذلك بوقت طويل ليعلن تجريم العبودية و تحرير العبيد.

مثال آخر من العنصرية هو المستر ويد، مدير المدرسة حيث تعمل لاتيشا، و الذي يتعامل مع هذه الأخيرة بعنصرية ليس بسبب لونها، بل بسبب طبقتها الاجتماعية، كونها نشأت في ضاحية فقيرة تُعْرف بالجريمة. و بالرغم أن لاتيشا أثبتت أنها أستاذة جيدة تتقن عملها، إلا أنه لم يكن مستعدا لتغيير رأيه المسبق فيها و لم يتوان عن مضايقتها في كل مناسبة ممكنة.

شكل آخر من أشكال العنصرية مارسته كريستين على أمجد لمجرد أن أصوله عربية، و كانت دائما تعيّره بها و تستعملها كسلاح ضده في مناقشاتهما.

أما بلال، بطل الرواية، فقد تعرض أيضا للتنمر في المدرسة بسبب بدانته و عدم قدرته على الدفاع عن نفسه.

و الكاتب هنا لا يناقش العنصرية من زاوية الشخص الذي يمارسها فقط بل كذلك من زاوية الشخص الذي يتعرض لها. فمن هؤلاء من يستسلم لها في البداية كما فعل بلال الحبشي و أمجد و بلال و لاتيشا، ثم يقرر أن يثور عليها فيما بعد لأسباب مختلفة لكنها كلها مرتبطة بالإيمان بقضية ما. و منهم من يقاوم في البداية و يحاول أن يصمد، و لكنه يستسلم بعد مدة و يقبل بالأمر الواقع، تماما كما فعل كونتا كنتي.

فكرة أخرى يركز عليها الكاتب هي أن العنصرية لا تنتهي فقط بعد الإيمان بدين أو بفرض قانون، بل هي أقوى من ذلك. إنها في نظره أصنام لا مرئية توجد داخلنا و يصعب تحطيمها و هي التي تجعلنا ننظر إلى الشخص المستهدف على أنه أقل مرتبة، و لذلك كان وقوف بلال الحبشي فوق الكعبة بعد فتح مكة درسا عمليا لهدم هذه الأصنام الداخلية.

2. التناقض لدى المسلمين في الغرب

يتطرق الكاتب في الرواية إلى التشتت الذي يحس به الجيل الثاني من العرب في بلاد الغرب، فهم لا يعرفون إن كان عليهم اتباع أفكار و عادات البلد الذي ينحدرون منه و تربطهم به أواصر تاريخية، أو اتباع أفكار و عادات البلد الذي ولدوا و ترعرعوا فيه و كل ذكرياتهم فيه. و في حين تجد البعض يعض بالنواجذ على انتمائه لبلده الأم إلى درجة التطرف أحيانا، تجد آخرين يتمردون على قيم آبائهم و دينهم و يعلنون استقلاليتهم المطلقة. بل و تجد الكثير منهم يتجهون إلى طريق الإلحاد فقط ليقطع كل صلة تربطه بأصوله و تاريخه الذي يتحرج و يتبرأ منه. و هذا ما عالجه الكاتب مع شخصية أمجد المتمردة على الدين بالرغم أنه ما زال يتميز بصفات و طباع شرقية يحاول التغلب عليها دون جدوى. و كذلك شخصية عبدول الذي بالرغم من اندماجه التام في المجتمع الغربي إلا أن بعض كلامه و تصرفاته توحي أنه يحن لأصوله و قيمه، بل إنه يتحدث عن الدين و يدافع عنه و هو يشرب الخمر! و كذلك سعيد والد بلال الذي بالرغم أنه شخص فاشل لا يعمل و مدمن على المخدرات و الكحول و لكنه قرر أن يسمي ابنه هذا الاسم لأنه لصحابي جليل بل و أذّن في أُذن ابنه بعد ولادته. كما حكى أمجد كيف أن والديه كانا يشربان الخمر و يأكلان الخنزير و يحتفلان بأعياد النصارى و مع ذلك يضعان القرآن في المكتبة إلى أن كبر أبوه و صار يصلي الجمعة.

3. الحرية بمفهومها الواسع

ربما كان أهم محور يناقشه الكاتب في هذه الرواية هو الحرية. و الحرية هنا لا تعني أن يكون الشخص عبدا مملوكا عند سيد ما، مثل بلال الحبشي الذي كان مملوكا لأمية، بل لها مفهوم أوسع. الحرية هي أن تستعبد من طرف شخص يستغلك بأي شكل من الأشكال و أنت تظن أنك لا تستطيع العيش من دونه، كما استعبدت كريستين أمجد و استغلت حبه لها و ضعفه تجاهها، و كذلك سعيد الذي استعبد لاتيشا في مرحلة معينة و استغل طيبوبتها و صبرها. 

و الكاتب يدعو أيضا إلى التحرر ليس فقط من الأشخاص و السلاسل المرئية، بل من القيود اللامرئية التي تستعبدنا سواء كانت فكرة أو مبدأ أو إحساسا بالضعف. و العمري يشبّه هذه القيود بصخرة سيزيف التي نحملها دون هدف و من دون أي منطق و لكننا نظل نحملها لأننا نعتقد أن لا مفر من ذلك و أننا لا نستطيع التخلص منها لأنها قدرنا. فبلال مثلا استسلم لضعفه أمام زملائه الذين يتنمرون عليه و أقنع نفسه أنه عاجز عن مواجهتهم، و لكنه اكتشف متأخرا أنه قادر على ذلك و أنه كان بإمكانه إنهاء الأمر منذ البداية. نفس الشيء حدث للاتيشا التي رضخت لمضايقات المستر ويد و قررت عدم مواجهته فعانت من تنمره عليها و محاربته لها، و لكنها اكتشفت كذلك أنها كانت فقط مستسلمة لضعفها و أن المواجهة ليست بالصعوبة التي تخيلتها. أما أمجد فكان محبوسا في سجن الإلحاد الذي كان يتوهم أنه مقتنع به و لكنه في الحقيقة كان فقط يهرب من تساؤلاته و شكوكه. و لم يتمكن من الفرار من هذا السجن إلا بعد أن قبل بكتابة سيناريو فيلم "بلال".

و القدوة التي تبعتها شخصيات الرواية للتحرر من مخاوفها و ضعفها هي بلال الحبشي. بلال الذي كان عبدا مولدا، أي أنه ولد ليكون عبدا عند سيده. و لكنه ما أن سمع بالدين الجديد الذي يساوي بين الناس كلهم و يعتبرهم جميعا عبيدا لله سارع إلى الإيمان به، و احتمل العذاب الشديد من سيده و آثر الموت على أن يعود عن دينه، إلى أن أنقذه أبو بكر و أعتقه. و يوضح الكاتب أن إيمان بلال لم يكن لطمعه في أن يعتق لأن الإسلام لم يكن قد شرع تحرير العبيد، و لكنه آمن لأنه فهم أن الحرية اختيار، الحرية ببساطة هي الخروج من عبودية الناس لعبودية الله، و أن الجميع يتساوون في كونهم عبادا لله. و هذا بالظبط ما أعطاه القوة على مواجهة أمية و تحديه، فهذا الأخير في النهاية ليس إلا عبدا لله، مثله تماما، فلماذا يخضع له إذن، بل ظل يعيد "أحد أحد" التي تعبر عن قضيته و إيمانه بإله واحد تتلاشى أمامه كل القيود المرئية و اللامرئية.

4. الإيمان بالله و الإلحاد  

أعطى الكاتب في الرواية أهمية خاصة لموضوع الإيمان بالله، و وصف المراحل التي مرت بها شخصيات الرواية الرئيسية لإثبات وجود الله و الإيمان به. فبلال الحبشي لم يأخذ وقتا طويلا حتى يؤمن بالله الأحد و يصدق رسالة النبي ﷺ، لأن المبدأ الأساسي الذي نادت به، ألا و هو اعتبار الناس كلهم عبيدا لله تعالى، خاطب عقله و وجدانه. و ظل متمسكا بإيمانه بالرغم من التعذيب الوحشي الذي تعرض له على يد سيده أمية. 

أما كونتا كونتي فنفهم من رواية جذور أنه كان مسلما مؤمنا بالله، لا يأكل الخنزير و لا يشرب الخمر و يصلي و يصوم و ما إلى ذلك. و قد حاول جاهدا أن يتشبث بهويته و أصوله و لكنه استسلم في النهاية بعدما تعرض للتعذيب الشديد، فقبل مرغما بتغيير اسمه إلى "توبي" و نسي بعد سنين تفاصيل عديدة عن بلده الأم و تقاليده، في محاولة منه التأقلم مع وضعه الجديد الذي بدا تغييره مستحيلا. و بالرغم أنه بقي مؤمنا بالله، إلا أنه تخلى عن شعائر دينه و فرائضه، اللهم إلا لحم الخنزير الذي ظل ممتنعا عن أكله. 

و هنا قد نتساءل؟ هل ظروف بلال الحبشي و كونتا كونتي متشابهة؟  قد يقول البعض إن بلال الحبشي تعرض للتعذيب و كاد يموت لولا أن تدخل أبو بكر رضي الله عنه لإنقاذه و أعتقه، ففي مكة إذن كان هناك أمل، لأنه كان يوجد من آمن بالدين الجديد قبل بلال و تدخل فعلا لإنقاذه. بل و إن الرسول عليه الصلاة و السلام شرفه و أعلى قدره عندما جعله في البداية مؤذنا ثم أمينا للمستودعات. و لكن كونتا كونتي كان وحيدا في القارة الجديدة، محاطا إما بالبيض الذين لا يعرفون معنى الرحمة، أو بالسود الذين جاؤوا معه و لكنهم قرروا الاستسلام منذ البداية. فلو كنا مكانه، هل كنا فعلا سنصمد أو سنستسلم كما فعل؟ سؤال صعب. و لكنني أعتقد أنه لو كان كونتا كونتي صبر على التعذيب أكثر، كان إما سيموت و يكون بطلا لأنه تمسك بمبادئه حتى النهاية، أو سيتعب سيده من تعذيبه و يخضع لرغبته، و كان سينتصر في الحالتين. فلماذا بلال كان مستعدا للموت و غير آبه به و كونتا كونتي لم يصمد لوقت أطول ؟ أظن أن الفرق هو أن بلال كانت قضيته "أحد أحد"، كان يناضل و يصبر من أجل إعلاء كلمة الحق و نصرة الإسلام، و هذه قضية عظيمة. أما كونتا كونتي فكان يناضل من أجل عدم تغيير اسمه و الحفاظ على هويته، و هي في نظري قضية أقل أهمية من قضية بلال. 

أما عن أمجد، فقد خصص له الكاتب مساحة كبيرة في الرواية ليصف التحولات التي طرأت على قناعاته الدينية منذ بداية القصة و حتى نهايتها. ففي البداية كان أمجد يظن واهما أنه ملحد لا يؤمن بوجود إله، و كان يفسر كل شي في ظل نظريات التطور أو الصدفة، و كان يعتقد أن الدين اخترعه البشر كغطاء للأمان أو مسكن للآلام. و لكنه بعد أن وافق على مضض على كتابة سيناريو فيلم "بلال"، و تعرف على شخصية بلال الحبشي، و كذلك بعد مراسلة بلال له و التزامه بشرح تفاصيل السيناريو له، بدأت الشكوك تساوره و التساؤلات تنغص عليه راحته. فبعد أن كان متيقنا أنه ملحد عن اقتناع، اكتشف أن ذلك الأمجد المادي الواقعي البراغماتي الذي كان يظهره للناس ما كان إلا قناعا يخفي خلفه ضعفا كبيرا و نقصا كبيرا في شيء ما. و هنا بدأت الأسئلة التي كان يهرب منها تطفو على السطح. إذا كانت النظريات العلمية تعتبر أن كل شيء بدأ بالانفجار الأعظم و بعدها خضع العالم لعمليات التطور، فكيف حدث الانفجار الأعظم من الأساس؟ لماذا الدين يقدم إجابة على هذا في حين يتجاهله العلم؟ و إذا كنا نؤمن بوجود روح و هي شيء لا مرئي، فلماذا لا نؤمن بوجود إله لمجرد أننا لا نراه؟  و إذا كان الدين اختراع بشري هدفه تسكين الألم و الإحساس بالأمان، أو ليس الإلحاد كذلك أيضا؟ شيء آخر زعزع عقيدة أمجد هو عدم قدرته على أن يقول لطفل مريض بالسرطان أنه عندما سيموت سينتهي كل شيء، و أن الحياة التي عاشها و العذاب الذي عانى منه كان في النهاية دون هدف. و لكن ما الفرق في النهاية بين بلال و أي شخص آخر سيموت يوما ما؟ ما الغاية من حياته؟ كل هذه التساؤلات بالإضافة إلى تجربته مع بلال جعلت أمجد يحس أن هناك تدبيرا محكما أوصله إلى هنا و جعلته ينتقل من دائرة "لا إله" إلى دائرة "لا إله إلا الله"، العبارة التي كان بلال الحبشي يرددها في الآذان. 

أما بلال بطل الرواية فكان منذ البداية يحس بوجود الله و الدليل أنه طلب منه أن يميته لينتهي من عذابه في المدرسة. و ما زاد من اقتناعه بوجود إله هي أنه لم ير والده يوما. حيث كتب في مدونته أنه بمجرد أن يكون الإنسان قد ولد، فهذا يعني أن له والدا حتى لو لم يتمكن من رؤيته طيلة حياته. و هنا توصل بكل بساطة إلى أن نفس المنطق يمكن استعماله لنثبت أن الله موجود، فبمجرد أننا موجودون هنا في هذا العالم، يكون هو موجودا أيضا حتى لو لم نره. و حتى عندما تساءل عن سبب الأمراض و الظلم و الحرمان الموجود في هذا العالم و لماذا يسمح الله بحدوثه، أجاب نفسه أن الله لم يجعل الأمور هكذا بل ترك للناس حرية الاختيار، و هم من أوصلوا العالم إلى هذه النقطة. و على العموم فهذه الأشياء هي فرصة لنا لاختبار أنفسنا و استيعاب قيمة الأشياء الجيدة.

أما لاتيشا فلم يركز الكاتب على اعتقادها الديني لأنها على ما يبدو لم تكن تشكك في وجود إله، و لكنها في نفس الوقت لم تكن تعطي أهمية كبيرة للدين في حياتها.

5. مواجهة السرطان   

اختار الكاتب أن يكون بطل روايته مريضا بالسرطان و أن تكون أيامه في الدنيا معدودة. و حاول أن يغوص في أعماق نفسه ليصف مشاعره ومخاوفه و طريقة تفكيره و نظرته للسرطان. إلا أن بلالا هنا ما هو إلا رمز لكل شخص يواجه مرضا فتاكا أو ظروفا قاهرة خارجة عن إرادته. و ربما يكون الكاتب قد وفق بعض الشيء في طرح بعض الأفكار، حيث اعتبر مثلا أن هزيمة المرض ليست في أن لا يموت الإنسان، لأن ذلك قضاء و قدر، و لكن في أن لا يموت قبل ميعاد موته، أي أن يقتل كل رغبة له في أن يعيش ما تبقى له من عمره بشكل مثالي. و أن يستغل كل يوم فيه ليجعل حياته القصيرة ذات معنى و قيمة. فقيمة الحياة ليست في طولها بل في ما تنجزه فيها.

و مع ذلك أعتقد أنه من الصعب على كاتب أن يتكلم نيابة عن شخص يعاني من مرض ما أو مر بأي تجربة قاسية أخرى إذا لم يكن مر بنفس التجربة. فمهما حاول الإنسان أن يتخيل ما يشعر به و يفكر فيه هذا الشخص، لن يستطيع أن يعبر بشكل دقيق عن حالته النفسية. لذلك أفضل السير الذاتية في هذا السياق لأنها تكون أكثر مصداقية و أكثر تأثيرا.

6. الهدف من الحياة و الأثر  

طرح الكاتب في الرواية موضوعا آخر مهما، و هو الأثر الذي سيتركه أي إنسان للعالم بعد أن يموت. و هنا اعتمد على قصة بلال الحبشي، الذي دخل التاريخ ليس فقط بقوة عزيمته و صبره على التعذيب و انتصاره على الظلم و العبودية، و إنما كذلك بموهبته. فبلال كان ذا صوت ندي أهّله لأن يكون أول مؤذن في الإسلام، مع أن نفس ذلك الصوت كان سببا في احتقاره و التقليل من رجولته أيام الجاهلية. و لذلك اعتبر الكاتب أن كل شخص يجب أن يكتشف موهبته لينمِّيَها و يطورها و يصنع بها إرثا يتركه بعد موته. عند اطلاع لاتيشا على هذا الجزء من قصة بلال، اقترحت على ابنها أن يستغل موهبته في الكتابة ليعبر عن تجربته مع السرطان و ينشرها في مدونة يقرأها الناس بعد وفاته و يستفيدون منها.

شخصيا أنا متفقة مع هذه الفكرة، و لكن مع تحفظ بسيط، و هو أن تكون نية الإنسان في ترك أثر ليس لتخليد اسمه بين الناس، لأن هذا لن يفيده شيئا في الدار الآخرة، بل لكي يترك عملا ينفع الناس و يزيد من حسناته حتى و هو ميت و يخوله أن يكون ممن يذكرون في الملأ الأعلى. و هنا أستحضر حديث الرسول ﷺ : "عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، رواه مسلم". أعتقد إذن أن الموهبة ليست هي الوحيدة التي تجعلك تترك أثرا في هذا العالم، فحتى الصدقة الجارية قد تنفع بها الناس و تزيد من حسناتك و الولد الصالح يدعو لأبويه فيستجيب الله له. و هذا من رحمة الله بنا أن جعل لنا طرقا كثيرة يغفر الله لنا بها حتى بعد وفاتنا.

 

مناقشة

في المجمل أعجبتني المواضيع التي طرحها الكاتب في الرواية و كيفية مناقشته لها. و لكن مع ذلك لي بعض الملاحظات حول القصة في حد ذاتها و الطريقة التي اختار الكاتب أن يسرد بها بعض الأحداث، و كذا بعض الأفكار التي لم يوفق في طرحها. 

1. أغلب المعلومات التي عرفناها عن بلال الحبشي و تلك الحقبة من تاريخ الإسلام جاءت في الرسائل الإلكترونية التي كان يرسلها أمجد إلى بلال. و لكن الطريقة التي عرض بها الكاتب هذه الرسائل لا توحي أبدا بأنها رسائل كتبها شخص ملحد معاد لفكرة الدين و متحامل على الإسلام ليرسلها إلى مراهق أمريكي لا علاقة له لا بالإسلام و لا بالتاريخ الإسلامي! فالرسائل مثلا تضم نصوص أحاديث شريفة مع سندها، ما الفائدة من هذه النصوص؟ هل الكاتب هنا يخاطب القارئ أم بلالا؟ أ لم يكن من المنطقي أكثر أن يكتفي أمجد بملخص للحديث أو تفسيره؟  حتى بعض التأويلات في سرد أمجد لقصة بلال الحبشي قدمت بشكل مبالغ فيه بالنسبة لشخص ما زال يتعرف على هذه الشخصية التاريخية. نفس الملاحظة يمكن أن نراها في الوصف الإيجابي للرسول صلى الله عليه و سلم و في الأجوبة العفوية التي كان يقدمها أمجد لبعض تساؤلات بلال و التي توحي أنه على دراية كبيرة بأحكام الإسلام و أعراف الجاهلية مع أنه لم يكن قد بحث قبل ذلك في هذا المجال و من الصعب أن يعرف هذه التفاصيل الدقيقة في مدة قصيرة. و كذلك الشرح الذي قدمه أمجد لعبارات الآذان تستدعي أن يكون الشخص عالما باللغة العربية و متعمقا فيها. لذلك أحسست و أنا أقرأ تلك الرسائل أن الكاتب نفسه هو الذي يتحدث و ليس شخصية أمجد، و هذا في نظري خطأ كبير لأن الكاتب خلط بينه و بين شخصية في القصة لها ملامحها و صفاتها الخاصة. 

2. اختار الكاتب أن يجعل شخصيات روايته تتحدث عن نفسها كما فعل في "كريسماس في مكة"، و هو أسلوب أحبه عموما لأنه يضفي على القصة عمقا و واقعية أكثر. و لكن عندما يتعلق الأمر بشخصية حقيقية بل و أكثر من ذلك بصحابي جليل كبلال الحبشي، فهذا في رأيي غير مقبول. خاصة و أن الكاتب عندما يتحدث على لسان بلال لا يسرد الأحداث فقط، و إنما يصف الحالة النفسية التي مر بها و المشاعر التي أحسها و الأفكار التي جالت في خاطره بل و يسرد الأحلام التي رآها، و هذا في رأيي قد يكون تقوّلا عليه إذا لم يكن عند الكاتب سند عليه و كان فقط من خياله. 

3. عندما يعالج الكاتب موضوع الأثر الذي يجب تركه بعد الموت، فإنه يقدم للأسف النجاح على الطريقة الأمريكية. و كأن تركك أثرا في هذا العالم مرتبط بمدى الشهرة التي تصل إليها و مدى ظهورك في وسائل الإعلام و المحطات التلفزيونية و مدى حديث الناس عنك. هل هذا هو النجاح؟ و هل هكذا نترك أثرنا؟ شخصيات كثيرة ذكرت في السنة و كتب التاريخ و التي قد لا نعرف حتى اسمها، و لكنها خلدت بأعمال و مواقف قد تكون بسيطة جدا و لكنها تساوي عند الله الكثير. في الحقيقة ليس المهم مدى انتشار ما ستفعله على لسان الناس، المهم أن تقدم شيئا نافعا و لو ظهر نفعه بعد حين و أن تخلص النية لله تعالى و أن يكون هدفك أن يرضى الله عنك و أن يحبك، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى إذا أحب عبدا دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه. فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض" رواه مسلم. فما همنا إذن برضى الناس و محاولة كسب اهتمامهم، يكفينا أن يحبنا الله و يرضى عنا فيذكرنا عنده في الملأ الأعلى. 

4. على عكس "كريسماس في مكة"، الرواية ينقصها طابع التشويق و الإثارة. فمعظم أحداث القصة متوقعة و النهاية معروفة منذ البداية و هي موت بلال. و حتى القصة الموازية (قصة بلال الحبشي) ليس لها دور كبير لأنها في أغلب الأحيان إعادة لما يقوله أمجد في رسائله لبلال. و لكن ربما يكون هذا اختيارا من الكاتب، لأن المهم عنده ليس التشويق و إنما استغلال تجربة واقعية لأشخاص عاديين لمناقشة بعض المواضيع الهامة التي فصلناها سابقا. 

5. مرة أخرى، إذا قارنا الطريقة التي تناول الكاتب بها شخصياته بين "كريسماس في مكة" و "شيفرة بلال"، فأنا أفضّل الأولى، لأن الشخصيات كانت مترابطة فيما بينها و تعرف بعضها منذ زمن و بالتالي فكل شخصية تبدي رأيها في الآخر. و هذا جعلنا نكون فكرة واسعة عن الشخصيات من زوايا مختلفة و ليس من زاوية الراوي أو الشخصية نفسها فقط. أما في "شيفرة بلال"، فكل الشخصيات لا تعرف بعضها من قبل، و لذلك كان من الصعب أن يتحدث كل واحد منها عن الآخر، و لكن الكاتب كان بإمكانه أن يستعمل هذا الأسلوب إلى حد ما لنعرف على الأقل انطباع كل شخصية عن الأخرى أو الصورة التي كوّنتها عنها و لو في مدة قصيرة.

 

تقييم

هذه الرواية كباقي روايات أحمد خيري العمري تناقش قضايا عديدة و تقدم أدبا هادفا و راقيا. و هي رائعة على جميع المقاييس حيث أثرت في و أبكتني في مواضع كثيرة. و لكن قراءتي لها بعد "كريسماس في مكة" جعلني أقارن بينهما و أتنبه إلى بعض نقاط الضعف فيها، و لذلك فتقييمي لها هو 4/5. و بما أن العمري كتب "شيفرة بلال" قبل "كريسماس في مكة"، فإن هذا يدل على التقدم الملحوظ و النضج الذي طرأ على كتابته و أسلوبه.


آمال