Wednesday, August 31, 2016

حليب أسود ـ مناقشة


 

الكاتبة : إليف شفق
العنوان الأصلي : Siyah Süt (بالتركية)
ترجمة : أحمد العلي
عدد الصفحات : 394

بصفتي أما جديدة، فقد استوقفني عنوان كتاب إليف شفق "حليب أسود" لأنه يوحي بعلاقة ما بالرضاعة و الأمومة، و زاد اهتمامي أكثر عندما قرأت ملخصا للكتاب و علمت أنه يعالج اكتئاب ما بعد الولادة. ربما لم أمر كالكاتبة بهذه التجربة و لكني ككل أم عاملة مررت بدوري بأوقات صعبة و أحاسيس مختلطة وراودتني مخاوف و تساؤلات كثيرة، على الرغم من سعادتي بابني و امتناني للنعمة التي أنعم الله بها علي، و لكن الأمر لم يخل من بعض الحيرة أحيانا و الشعور بالذنب أحيانا أخرى. ربما إذن أردت أن أقرأ الكتاب في محاولة مني لفهم و استيعاب ما مررت به، فالكتاب عموما يملكون تلك القدرة الغريبة على التغلغل في النفس البشرية و كشف أسرارها و التعبير عما يكتنفها بشكل مدهش حتى أنك تظن لوهلة أن حديثهم موجه إليك شخصيا. و كما توقعت، وجدت ضالتي في هذا الكتاب حيث أبانت الكاتبة عن عمقها و صدقها و مدى فهمها لبنات جنسها. في هذه المقالة سأقدم إذن نبذة عن الكتاب ثم أتبعه بمناقشة لبعض الأفكار التي وردت فيه.

نبذة عن الكتاب
أول انطباع للقارئ عندما يسمع عنوان الكتاب هو أن إليف شفق تتحدث فيه بالأساس عن تجربتها مع اكتئاب ما بعد الولادة، و لكن الكاتبة آثرت أن تبدأ الحكاية قبل ذلك بوقت طويل، قبل حتى أن تلتقي بزوجها بل و قبل أن تقتنع بفكرة الزواج، ربما بغرض العودة إلى جذور المشكلة و اكتشاف الأسباب التي جعلتها تسقط فريسة لهذا المرض. "حليب أسود" هو كتاب تعبر فيه الكاتبة عن الصراع الذي تعيشه الكاتبات بين سعيهن للتفوق في مجال الكتابة و منافسة الكتاب الرجال، و بين غريزة الارتباط و الأمومة التي تطاردهن. فمن أجل اقتناعها أن الكتابة و الأمومة لا يمكن أن يجتمعا في امرأة واحدة إلا و طغا جانب على آخر، كانت الكاتبة قد قررت أنها لن تتزوج و لن تنجب يوما لأنها لا تستطيع التأليف بين الواجبين معا، خصوصا و أن الكتابة بالنسبة لها كالهواء لا يمكن لها العيش من دونها. و لكنها عندما التقت بالشخص المناسب لم تستطع مقاومة غريزتها الأنثوية متجاهلة تماما ذلك الصوت الخفي الذي يحذرها من الارتباط. و لو أن الكتاب موجه للكاتبات بشكل خاص، إلا أنه يخاطب في الحقيقة كل النساء العاملات أو الموهوبات، اللواتي يسعين للنبوغ في مسارهن المهني و في نفس الوقت يرغبن في الزواج و الإنجاب، و هذه مهمة صعبة جدا لأن كلا الهدفين يحتاج إلى تركيز كبير و جهد عملاق. لقد حاولت الكاتبة من خلال كتابها أن تلم بالمشاكل و العوائق التي تعترض هذه الفئة من النساء من خلال سرد تجربتها الخاصة و وصف ذلك الحوار الداخلي و الصراع النفسي الذي عاشته قبل و بعد أن تتزوج و طيلة فترة حملها و بعد إنجابها لمولودها. قد تختلف تجربة الكاتبة عن تجارب نساء أخريات في تفاصيل كثيرة و لكنها لا تكاد تخلو من تقاطعات لا يمكن تجاهلها.

مناقشة 
كأي كتاب آخر، هناك نقاط أتفق فيها مع الكاتبة و نقاط أخرى أختلف فيها معها. و في ما يلي مناقشة لبعض هذه النقاط.

نقاط الاتفاق
1. هل سبق و شاهدتم فيلم ديزني "Inside Out" ؟ إن لم تكونوا قد فعلتم بعد، فإني أشجعكم على مشاهدته لأنه بالنسبة لي من أفضل الأفلام التي شاهدتها حتى الآن. يعتبر الفيلم أن العقل البشري هو عبارة عن عالم كبير من الذكريات تتحكم فيه خمس شخصيات، تمثل العواطف الخمس الرئيسية التي تقرر الحالة المزاجية للإنسان و ردة فعله تجاه الأحداث التي يعيشها، و هذه العواطف هي: السعادة، الغضب، الحزن، الخوف و التقزز. تدور أحداث الفيلم حول فتاة صغيرة اسمها رايلي، و يصف الفيلم الطريقة التي تؤثر بها هذه العواطف على حياتها منذ ولادتها، حيث تكون في البداية في حالة تناغم تام، إلى أن ترحل مضطرة مع عائلتها إلى ولاية جديدة مما يجعل العلاقة بين عواطفها تتعقد و ترتبك. قد تتساءلون لماذا أشير الآن بالتحديد إلى هذا الفيلم، و الجواب هو أن حبكة الكتاب ذكرتني مباشرة بهذا الفيلم، فالكاتبة في محاولة منها لوصف الحوار الداخلي الذي تعيشه، اعتبرت أن كل جانب فيها شخصية قائمة بذاتها أعطتها اسما و شكلا و أسلوب حياة، و أطلقت على هذه الشخصيات اسم "نساء الأصابع" لأن طولهن لا يتجاوز طول الإصبع. بل و تخيلت حوارات معقدة مع هؤلاء النسوة و جعلتهن يتحكمن في ردود أفعالها و قراراتها. في الحقيقة أعجبني كثيرا هذا التجسيد لنفسية المرأة و العمق الذي تناولت به الكاتبة الشخصيات المختلفة التي تكون هذه النفسية و كذا التفاصيل الدقيقة التي ركزت عليها. كما أعجبني تشبيهها لاكتئاب ما بعد الولادة بالغول مما يسهل على القارئ رجلا كان أم امرأة تخيل بشاعة هذا المرض و فهم ما تحس به المرأة و ما تكابده من صراعات داخلية خلال هذه الفترة المظلمة من حياتها.


2. لم تكتف الكاتبة بسرد تجربتها الخاصة فقط، بل و استعانت بتجارب كاتبات أخريات من مجتمعات عدة و حقب زمنية مختلفة. و في نظري لقد كانت خطوة موفقة لأنها أثرت الكتاب و جعلته أكثر قيمة، حيث أصبح بمثابة بحث علمي يتطرق لكيفية تعامل الكاتبات مع الزواج و الأمومة، بدل أن يكون مجرد تجربة شخصية و كفى. و هذا في حد ذاته يحسب للكاتبة لأن الكتاب نتيجة لجهد كبير قامت به في الاطلاع على حياة هؤلاء الكاتبات و استنباط العبر منها. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكتاب سمح لي بالتعرف على أسماء كاتبات كثر لم أكن قد سمعت عنهن شيئا من قبل، و سأحاول مستقبلا البحث عن مؤلفات بعض هؤلاء الكاتبات و قراءتها.

3. في البداية، حاولت الكاتبة وصف الأفكار المتضاربة التي تجتاح كل امرأة عازبة من قبيل رغبتها في المضي قدما لتحقيق أهدافها و طموحاتها الشخصية و في نفس الوقت رغبتها في الاستقرار و الإنجاب. ثم بعد ذلك، انتقلت الكاتبة إلى مرحلة أخرى، حيث تقرر الزواج و لكنها ترفض الإنجاب خوفا من أن تفشل في تحقيق التوازن بين عملها و بيتها و أن لا تكون بالتالي أما مثالية و منصفة. كل هذه المراحل أفضت بالكاتبة إلى مرحلة اكتئاب ما بعد الولادة، و هو نفق مظلم شعرت فيه بالوحدة و الانغلاق على الذات و أحست فيه بالذنب تجاه وليدتها من جهة  و الخوف من فقدان قدرتها على الكتابة من جهة أخرى. باختصار، لقد نجحت الكاتبة إلى حد كبير في التعبير عن مشاعر المرأة و أحاسيسها و تساؤلاتها و تخوفاتها في مختلف مراحل حياتها و ذلك بشكل مدهش، حتى أنني أحسست في بعض الأحيان أنها تخاطبني شخصيا و تصف مشاعر حاولت التعبير عنها و لم أستطع.

4. مرت الكاتبة بفترات مختلفة في حياتها، و في كل فترة كانت تسيطر إحدى أو بعض فتيات الأصابع على الأخريات. و قد أعجبني كيف شبهت الكاتبة العلاقة بينهن في مختلف الفترات بأنظمة الحكم، فهو تارة حكم أقلية، و تارة حكم ديكتاتوري فاشي و تارة أخرى حكم ملكي. و قد كانت الكاتبة تذعن لإرادتهن كلما اخترن لها نظام حكم، إلا أنها وجدت في النهاية التوازن الذي جعلها تفرض عليهن جميعا حكما ديمقراطيا.

نقاط الاختلاف
بما أنني و الكاتبة من أيديولوجيات مختلفة، فمن الطبيعي أن لا أتفق معها في أفكار كثيرة تتعلق بالدين و الأخلاق. و لكني قررت أن أشير إليها لأن بعض القراء قد يتأثرون بأسلوب الكاتبة و يتعاطفون مع تجربتها، و لا يلقون بالا لهذه الأفكار التي تتخلل الكتاب و التي قد تكون ذات تأثير سلبي.

1. تعطي الكاتبة لبعض المظاهر مسميات مغلوطة، حيث تعتبر العري و إظهار مفاتن المرأة  تعبيرا عن الأنوثة و مصالحة مع الجسد، و تعتبر شرب الكحول و السهر في النوادي الليلية مرحا و متعة و ترفيها على النفس، و تعتبر التدخين تحررا و تمردا على الحدود الاجتماعية التي تفضل الرجال على النساء، بل و جعلت فتاة الأصبع المثقفة هي التي تدخن بين كل فتيات الأصابع، و كأن التدخين دائما مقترن بالثقافة !

2. الصوفية في الأصل هي مذهب يهدف إلى مناجاة الله و التأمل في الكون و تزكية النفس. و هناك طرق صوفية عديدة بعضها يعتمد التقرب إلى الله في إطار شريعة معينة و ذلك بالاجتهاد في العبادات و اجتناب النواهي و البعض الآخر يعنى بالقلب فقط و يبتعد عن الشريعة، و أعتقد أن الكاتبة تنتهج هذا النوع الأخير بالرغم من تأثرها الكبير بجلال الدين الرومي الذي كان فقيها و إماما متصوفا. و من وجهة نظري الصوفية التي تركز فقط على الإيمان بوجود خالق لهذا الكون و البحث عن السلام النفسي و حب الآخر اعتقاد مبتور لأن حياة الفرد لا يمكن أن تستقيم إلا مع وجود شريعة إلهية تهذب النفس و تنظم المعاملات و تقننها. و مع أن الكاتبة صرحت في كتابها أنها كانت في ما مضى "لا أدرية"، أي غير متأكدة من وجود إله، و غيرت فكرتها فيما بعد، إلا أنها قد تقدم صورة خاطئة عن الإسلام خصوصا أنها تتطرق إلى الصوفية و علماء المسلمين المتصوفة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب و غيره، و هذا قد يربك القارئ فلا يدري هل تتحدث عن الإسلام أو عن دين آخر.

3. تطرقت الكاتبة مرارا و تكرارا إلى المثلية باعتبارها ظاهرة طبيعية، و هذا عادي جدا مع افتقارها لقاعدة دينية ترتكز إليها. و لكني كمسلمة أختلف معها في هذه النقطة. نعم من حق أي شخص أن يكون له أفكار و معتقدات تختلف عن الآخرين و الدين يعطيه كامل الحرية في ممارسة معتقداته في الخفاء، و لا يجرم إلا الجهر بها و المطالبة بالممارسة العلنية مما قد يؤثر سلبا على الآخرين. كما أن علم النفس حاليا اعتبر المثلية مرضا نفسيا و انحرافا عن الطبيعة، لذلك يمكن أن ندافع عن حق المثلي في الاستشفاء وليس في ممارسة المرض، و إلا سنكون كالذي يدافع عن المجنون ليمارس حقوقه المدنية و السياسية و غيرها. و على العموم، نحن كمسلمين مؤمنين بالله مقتنعون أن الخالق أدرى بالمخلوقات من أنفسهم، و إذا منع عنهم أشياء فلعلمه بالأضرار و المخاطر التي قد تتسبب فيها للفرد و المجتمع. الإيمان بالله و علمه اللامحدود يلزم المؤمن بالخضوع إلى الإرادة الإلهية، خصوصا في الثوابت و الأمور التي فصل فيها الدين و لم يفتح الباب فيها للاجتهاد و البحث.

إضافة خارج الموضوع
مباشرة بعد قراءتي ل"حليب أسود"، قرأت رواية بوليسية بعنوان "La fille de Brooklyn" للكاتب "Guillaume Musso"، و اندهشت عندما وجدت بعض نقاط التقاطع في الكتابين، مع أنهما مختلفان تماما عن بعضهما البعض. فبطل الرواية كاتب و روائي و قد أشار إلى قضية الشبه بين الأطفال و الكتب الذي يتحدث عنها البعض، و هو نفس التشبيه الذي تطرقت له الكاتبة في مواضع كثيرة من كتابها. عدا عن ذلك، فإن البطل عانى من كون زوجته تخلت عنه و عن ابنه في سبيل تحقيق نجاحها المهني، و هذا في النهاية أحد المظاهر المترتبة عن الاضطراب الذي يصيب بعض النساء العاملات جراء عدم قدرتهن على تحقيق التوازن بين بيتهن و عملهن. و لهذا علاقة و لو كانت غير مباشرة بما حاولت إليف شفق معالجته في كتابها.

آمال

No comments:

Post a Comment