Saturday, November 11, 2023

عالم موازي

أنظر من حولي فيُخَيَّلُ إلي أحيانا أنني أعيش في عالمين متوازيين، عالم يعاني فيه إخواننا مرارة الإبادة و التجويع و القتل و الدمار، و عالم آخر حيث الناس منخرطون في أعمالهم و مشاغلهم و أهدافهم و النجاحات التي يريدون تحقيقها و و و و

كل شيء مستمر و كأن شيئا لم يكن، مسابقات كرة القدم، و المهرجانات و البرامج الفنية التافهة و المؤتمرات عن السلام في العالم ! و الندوات عن النجاح في الحياة!!!!

عن أي نجاحات نتكلم و أطفالنا و نساؤنا و شيوخنا يموتون هناك و يُجَوَّعون هناك، و يُبادون هناك، و يُهَجَّرون هناك؟

هل أولئك يعيشون في كوكب آخر مثلا؟ هل لا يَمُتُّون لنا بصلة؟ هل هو مجرد فيلم رعب أو فيلم أكشن، نشاهده في التلفاز، يستفزنا قليلا، و يبكينا قليلا، ثم ما أن نغلق التلفاز، حتى نعود إلى حياتنا و نجاحاتنا؟! و كأن كل شيء على ما يرام؟

أنا لا أقول أن يُجَمِّد الناس حياتهم و يُعَطِّلوا أشغالهم و يوقفوا نجاحاتهم. لا سمح الله !

و لكن ألا يمكن أن نقوم بأشغالنا دون أن نكون مضطرين للتباهي بها في وسائل التواصل؟ هل من الصعب علينا أن نؤجل التعبير عن فرحنا و اعتزازنا بما نفعل و مشاركة نجاحاتنا "المبهرة" إلى وقت آخر؟ هل من الصعب علينا التغاضي عن مشاركة صورنا البراقة و ابتساماتنا العريضة في هذا الوقت العصيب؟

مرة أخرى، أنا لا أطلب من الناس التوقف عن عملهم أو التخلي عن مسؤولياتهم أو الانجرار إلى الاكتئاب و اليأس.

على العكس تماما، إن هذا هو أفضل وقت نركز فيه على أعمالنا و واجباتنا و نبذل جهدنا لإتقانها و النجاح فيها، حتى لا تأتي الهزيمة من جانبنا.

و لكن مع شرط أن يكون كل هذا مخلصا لله وحده، و أن لا نبتغي به احترام هذا و ذاك أو إرضاء أنواتنا أو تلميع صورنا. و يجب مع كل ذلك مراعاة شعور إخواننا الذين يذوقون ويلات الحرب، و لا يجدون قطرة ماء أو كسرة خبز يسدون بها رمقهم و جوعهم و لا دواء يخفف عنهم آلامهم و جراحهم.

أليس الرسول صلى الله عليه و سلم يصف المسلمين فيقول : "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"؟

فأين الحمى؟ و أين السهر ؟ و أين التعاطف؟ و أين الجسد الواحد؟

***********

منذ أن بدأت الحرب، أصبح فؤادي فارغا ــ و أنا متأكدة أني لست الوحيدة التي تحس بهذا ــ.

ليس فراغا روحيا، لأنني أؤمن بأن النصر آت ولو بعد حين، و أن قتلانا في الجنة و قتلاهم في النار، و أن الله هو الحكيم و أنه العدل سبحانه، و أنه اصطفى تلك البقعة المباركة و أولئك الناس الأحرار ليبتليهم فيصبرون فيجزيهم خير الجزاء.

و لكنه فراغ لا يمكنني وصفه، و كأن نظامي حدث له خلل ما و هو ينظر إلى كل أصحاب القرار في هذا العالم و المنظمات الحقوقية التي ظلت تمطرنا بالنظريات عن روح الإنسانية و العدالة الاجتماعية و حقوق الإنسان، ينظر إلى كل هؤلاء و هم غير قادرين على إيقاف هذه المهزلة و يكتفون بالتنديد و الشعارات.

أعلم أنها ليست المرة الأولى التي نشهد فيها حروبا ظالمة، فالظلم موجود على مر التاريخ، و الظالم دائما يتفنن في إذاقة ضحاياه شتى أنواع العذاب. و لكنه في عصور سابقة لم تكن هناك منظمات دولية تسن القوانين و تعمل على تطبيقها، فكان الظالم يطبق قانونه الخاص و يفعل ما بدا له.

و حتى في الحروب المعاصرة، كحرب العراق و أفغانستان و الشيشان و بورما غيرها، تجد الظالم يحاول عدم تخطي بعض الخطوط الحمراء، و يوجِد أعذارا أمام المجتمع الدولي و لو كانت كاذبة ليبرر الجرائم التي يقترفها.

أما الظالم الآن، فهو متعجرف متغطرس، لا يبالي بإيجاد الأعذار، و لا يحترم أي خطوط حمراء، بل ضرب بعرض الحائط كل القوانين، و عاث في الأرض فسادا، و لم يسلم من جبروته حتى المستشفيات و دور العبادة و المنشآت الحقوقية.

كل ذلك و الجميع يكتفون بالتنديد و الوعيد الذي لا طائل منه!

أتساءل كيف سيأتون غدا ليرددوا علينا هذه الشعارات و يسردوا علينا قصص المعاناة في العصور الغابرة ( كإبادة الهنود الحمر و العنصرية ضد السود في أمريكا)، و هم يتحسرون و يبكون و يشعرون بالذنب لما حدث في الماضي و ينفقون الملايين على أفلام تربح الأوسكار لإخلاء مسؤوليتهم، و كأنهم لو كانوا حاضرين وقتها لوقفوا مع الحق!

كل هذا تبخّر الآن، سقطت الأقنعة، و نعرف الآن أن هؤلاء المختبئون وراء القوانين و الدساتير الجديدة التي تدعو إلى السلم و العدالة و المساواة، ما كانوا ليفعلوا شيئا وقتها، بل و كانوا سيقفون مع الظلم كما يفعلون الآن بالضبط.

سيسجل التاريخ ذلك، و سنسجل ذلك، و لن ننسى، و لن نغفر!

اللهم اربط على قلوب إخواننا في غزة، و أفرغ عليهم صبرا و ثبت أقدامهم و انصرهم على القوم الكافرين.

اللهم استر عوراتهم و آمن روعاتهم و اجعل القنابل و الصواريخ بردا و سلاما عليهم.

اللهم ارحم شهداءهم و اشف مرضاهم و خفف عن جرحاهم.

اللهم أعن المجاهدين في سبيلك و سدد رميهم و أمدهم بجنود من عندك و اقذف في قلوب أعدائهم الرعب يا عزيز يا جبار.

اللهم أرنا في الظالمين يوما و عذبهم بأيدي جنودك و أذهب غيظ قلوبنا و اشف صدورنا، إنك على كل شيء قدير.

آمال