Saturday, August 29, 2020

كريسماس في مكة - تحليل


الكاتب : أحمد خيري العمري
عدد الصفحات : 339 


عنوان الرواية 
أعتقد أن الكاتب كان موفقا في اختيار عنوان روايته. أولا لأنه عنوان مثير للفضول يحثك على قراءة الرواية لتعرف ما يقصد الكاتب، و ثانيا لأنه يعبر بوضوح عن رسالة الكاتب من الرواية و كل التناقضات التي يناقشها فيها.

الزمان و المكان 
تضم الرواية قصتان متوازيتان. القصة الأولى تدور أحداثها في زمننا الحالي بين بغداد و مكة و إنجلترا و السويد. أما القصة الثانية فتدور أحداثها في فترة هجوم التتار على بغداد و تضم أماكن أخرى كالشام و مصر و الحجاز. نقطة التقاطع بين القصتين إذن هي بغداد.

الشخصيات الرئيسية
  • مريم بكر آغا : فتاة في التاسعة عشر من العمر، من أصل عراقي، تسكن مع أمها في إنجلترا و تدرس العمارة.
  • ميادة آل باقر: أم مريم، عراقية شيعية، تعمل في هندسة الحاسبات.
  • حيدر : أخ ميادة، يسكن في إنجلترا و يعمل طبيبا استشاريا في جراحة العمود الفقري.
  • سعد : أخ عمر، زوج ميادة الراحل. درس العمارة و عمل بها مدة، ثم تفرغ لرعاية أبيه المريض. 
  • أحمد : المستنصر بالله، عم الخليفة المستعصم، نجا من التتار بأعجوبة بعدما دخلوا بغداد.
     
الشخصيات الثانوية
صنفت هذه الشخصيات على أنها ثانوية لأنها أقل أهمية من الشخصيات الرئيسية و لكنها مع ذلك تؤثر في الأحداث بشكل كبير.
  • عمر : أبو مريم و زوج ميادة و هو عراقي سني كان يعمل طبييا قبل وفاته. 
  • أبو عمر و سعد : عسكري متقاعد درس في الأكاديمية الملكية العسكرية في ساندهرست و حصل على دكتوراه من جامعة القاهرة. أصابه الزهايمر بعد عدة صدمات مر بها إلى جانب كبر سنه. 
  • أم عمر : ماتت جراء جلطة بعد وفاة ابنها.
  • سعاد الدباغ : أم ميادة، مديرة مدرسة متقاعدة تقطن في السويد.
  • سوسن : طليقة سعد، معمارية أيضا تقطن في السويد. 
  • أبو ميادة : تاجر عراقي لم يكمل دراسته.
  • ميثم : أخو ميادة، قتل في أحداث العنف الطائفية في العراق.
  • إسحاق : أخو أحمد في الرضاعة. كان يعمل في ديوان الخليفة المنتصر قبل إزاحته من ولده. هو من ساعد أحمد على الفرار من التتار.
  • سارة : ابنة حيدر و إيميلي.
  • شخصيات تاريخية : هولاكو،  البطريرك،  شمس الدين الكوفي،  الوزير مؤيد الدين. ...

نبذة عن الرواية

مريم شابة في مقتبل العمر من أصل عراقي تعيش مع والدتها ميادة في إنجلترا و تدرس الهندسة المعمارية. هي مثل نسبة كبيرة من شباب المهجر بعيدة كل البعد عن الدين و التقاليد بل إنها دائما تنتقدها و تتخذ موقفا منها و تسخر منها أحيانا. و مع ذلك فإنها أرادت استغلال أصولها الشرقية المسلمة لتضفي طابعا مميزا و فريدا من نوعه على تصميماتها. 
 
في إطار مشروع تخرجها من الجامعة، فكرت مريم في أن تذهب إلى قلب العالم الإسلامي، مكة، حتى تبحث عن تصور بديل لهندسة الحرم المكي. و هكذا نظمت أمها رحلة عمرة لهما في إجازة الكريسماس بمرافقة خالها حيدر كمحرم. استغلت ميادة هذه الرحلة لتدعو كذلك أخ زوجها سعد و أباه ليلتحقا بهما في مكة حتى يلتقيا بمريم لأول مرة بعدما غادرت هي و ميادة إلى إنجلترا، أي منذ أكثر من اثنتي عشر سنة. تتطرق القصة إذن إلى ظروف الاستعداد للرحلة و كذا الأحداث التي حدثت في مكة أثناء العمرة. و تسرد قصة كل شخصية مرة على لسانها و مرة من وجهة نظر الشخصيات الأخرى. كما أنها تتعمق في نفسيات هذه الشخصيات و تسلط الضوء على العلاقات المتداخلة و المعقدة بينها.
 
بالموازاة مع هذه القصة التي تحدث في عصرنا الحالي، تتضمن الرواية قصة تاريخية حقيقية تنتمي لفترة احتلال التتار لبغداد، بطلها أحمد، عم الخليفة المستعصم.  
 
الأفكار الرئيسية
من خلال قراءتي للرواية، وجدت أن الكاتب يركز فيها على سبع مواضيع رئيسية :

1. الطائفية 
و خاصة بين الشيعة و السنة، و في هذا الصدد أرخ الكاتب لفترة فارقة في تاريخ بلده العراق و هي نهاية الثمانينات و فترة التسعينات، التي شهدت حروبا دموية و حصارا و تشردا و طائفية كانت جديدة على المجتمع العراقي الذي كان يعتبر جسدا واحدا برغم الاختلافات التي يضمها، و هذا ما عبر عنه الكاتب في زواج ميادة المنتمية للمذهب الشيعي و عمر ذي الأصول السنية.

2. العنصرية 
و التي عبر عنها الكاتب في عدم تقبل حيدر لعلاقة ابنته سارة مع صديقها ذي البشرة الداكنة، ليس لأنها علاقة غير شرعية تنافي الدين و الأخلاق فقط و إنما خوفا من ردة فعل أمه التي ربما تصاب بجلطة إذا علمت أن حفيدتها ستنجب من رجل أسود. و أظهر الكاتب أيضا العنصرية في موقف الطبيبة النفسية لحيدر المقتنعة أن العرب بطبيعتهم عنيفون حيث أصرت على تشخيص حالة حيدر كاضطراب ناتج عن العنف الأسري.

3. أزمة الهوية عند الجيل M
"الجيل م" هي التسمية التي أطلقتها كاتبة بريطانية مسلمة على جيل المسلمين الشباب في الغرب. و هنا يتطرق الكاتب إلى أزمة الهوية التي يعيشها هذا الجيل الذي يجد نفسه ممزقا بين قيم المجتمع الذي يعيش فيه و يتفاعل معه و بين القيم التي تنتمي لجذوره المسلمة. و هذا يذكرنا بكتاب العمري "الذين لم يولدوا بعد"، و هو جزء من سلسلة "ضوء في المجرة" و الذي يتحدث عن نفس الظاهرة. و يعبر الكاتب عن هذه المشكلة على لسان مريم قائلا :
هذا التمزق بين ما علي أن أدافع عنه لأنه جزء من هويتي، و بين ما أرفضه في داخلي لأني لست مقتنعة به، هذا التمزق الذي ورثته من بيئتي التي ظلت تمدني بتناقضات طيلة الوقت، التناقضات التي يبدو أني سأقضي حياتي و أنا أحاول التصالح معها أو التنسيق فيما بينها.
 
4. انفصام الشخصية لدى المسلمين
قدم الكاتب في روايته أنماطا مختلفة من الشخصيات المسلمة. فميادة مثلا تصوم رمضان و تحفظ الأدعية و تتحمس للذهاب إلى الحج و العمرة و ترفض أن تقيم ابنتها علاقات غير شرعية، و لكنها مع ذلك لا تواظب على الصلاة و لا تفكر في الحجاب و لا تربي ابنتها على الدين و القيم الإسلامية و تشاهد فيلما رومانسيا و هي متجهة للبيت الحرام! أما حيدر فهو مبتعد تماما عن الدين، لا يصلي و لا يصوم و يشرب الخمر و كان على علاقة غير شرعية مع زوجته قبل الزواج و لا يهمه أن تحذو ابنته حذوه في كل ذلك، و لكنه مع ذلك صدم عندما علم أن ابنته ستنجب من دون زواج ! أما سعد فكان في بداية شبابه غير مكترث للدين و التقاليد و لكنه تغير تماما بعد مروره بتجارب عديدة قاسية.
 
و جعل الكاتب من مريم مثالا لبعض المسلمين الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا اسمه، فبالرغم أن والديها مسلمين، إلا أنها لم تتلقى تربية مسلمة و كل ما تعرفه عن الإسلام و المسلمين نابع من المحيط الغربي العلماني الذي تعيش فيه و مما تنقله وسائل الإعلام المتحاملة على الإسلام. و هكذا فالشخصية المتدينة الوحيدة في الرواية هي عمر الذي كان يواظب دائما على الصلاة و الصيام و يدعو أهله إلى ذلك، و كان ذا أخلاق رفيعة و مثالا للمسلم المتميز بعلمه و عمله، و لكنه برغم هذا لم يجد حرجا في أن يتزوج فتاة غير متدينة و يرضى بها أما لأبنائه.
 
نستخلص من هذا كله إذن أن الكاتب لم يقدم في روايته أية شخصية متدينة مثالية، و أجد هذا متماشيا مع سياق الرواية التي محورها الأساسي التناقضات التي يعيشها المسلمون في عصرنا الحالي.
 
5. تغير الإدراك مع تقدم العمر 
شخصيات الرواية عرفت تغيرا ملحوظا مع مرور الزمن. فسعد مثلا كان في شبابه شخصا واثقا من نفسه مكتفيا بها، يعتقد أنه بذكائه يمكن أن يحقق كل ما يرغب فيه. و لكن الأقدار أثبتت له عكس ذلك، خاصة بعد معرفته أنه لا يستطيع الإنجاب و بعد ترك زوجته له و وفاة أخيه و أمه، و اكتشافه أن كل الشهادات التي حصل عليها لا قيمة لها في بلد دمرتها الحرب و الحصار. كل هذا جعله أكثر تواضعا و إحساسا بالآخرين و دفعه إلى التوجه إلى الدين و التقرب من الله. و قرر أن يبقى بجانب والده المريض بالزهايمر في نهاية حياته. و كذلك ميادة كانت في شبابها فتاة بسيطة مدللة و ساذجة تفكر بكل رومانسية و تظن أن الحياة كلها وردية. و لكن الظروف المؤلمة التي مرت بها العراق و وفاة أخيها و زوجها و اضطرارها إلى الهجرة و تربية ابنتها وحدها جعلها أكثر واقعية و صلابة و قوة. أما عن حيدر، فقد كان منذ شبابه شخصا بعيدا عن الدين و حاول كل جهده الاندماج في المجتمع الغربي حتى يستطيع أن ينجح فيه مهنيا و اجتماعيا، بل كان ربما يبالغ في إظهار ولائه للعادات و القيم الغربية حتى يبعد عنه صفة الرجل الشرقي الرجعي. و لكنه اكتشف بعد أعوام أنه يخدع نفسه و أنه لا تزال بقايا ذلك الرجل الشرقي داخله، و بدأ يجد صعوبة في التعايش مع شخصيتين متناقضتين.  

6. الأعمال بالنيات و المظاهر خداعة
الشخصيات الرئيسية للقصة كلها يفترض أن تلتقي في مكة لقضاء العمرة، و هو عمل محمود يؤجر عليه المسلم أجرا عظيما. و لكننا إذا تأملنا نية كل واحد فيهم من وراء هذه العمرة نجدها ليست خالصة لله تعالى. فمريم لم تذهب إلا من أجل مشروع تخرجها، و سعد كان يؤجل ذهابه للحج متحججا بوالده و لكنه ذهب هذه المرة لرؤية مريم، و حيدر ذهب ليهرب من ابنته و زوجته في عطلة الكريسماس. ربما تكون ميادة أكثر شخص حاول استغلال الرحلة كما يجب و لكنها كذلك استغلتها لتفاتح سعد في مشاريعها المستقبلية لمريم.
 
و لكنه و بالرغم من تعدد نواياها فإن الشخصيات كلها وجدت نفسها تلتحم مع الجو الروحاني للبيت الحرام و تتقرب من الله بشكل أو بآخر، و تأثرت بهذه التجربة دون أن تخطط لذلك، فخرجت في نهاية الرحلة بأفكار و أحاسيس تختلف عن التي جاءت بها في البداية.
 
7. البحث عن مجد ضائع
اختار الكاتب شخصية تاريخية تحمل نفس اسمه ليكون بطلا لروايته. و جعل هذه الشخصية تمثل كل الأحمدات و غيرهم من رجال و نساء بغداد الذين يشتاقون لبغداد القديمة، بغداد منارة العلم و الثقافة، بغداد رمز التسامح و التعايش، بغداد عنوان الجمال في العمارة و الفن و الأدب. ضاعت هذه البغداد بين الحروب و الحصار و الصراعات الطائفية التي تستفيد منها مجموعة من الفاسدين، و لكن ناسها مازالوا يحلمون بإعادتها لسابق عهدها و استرجاع مجدها الضائع، فهل هذا ممكن يا ترى أم أنه أمل بعيد المنال؟
 
أسلوب الرواية 
أسلوب الرواية أسلوب بسيط و لكنه عميق في نفس الوقت يعتمد الكاتب فيه على المجاز و التشبيهات التي يستعملها في محلها و بشكل مقنع. كما أن روح العمري التي تميز كتاباته الفكرية تتجلى بوضوح في مواضع كثيرة من الرواية، و ذلك من خلال التأويلات و التفاسير التي يعطيها الكاتب لبعض الأحداث و الأماكن و الأحاسيس.
 
كتاب كثر يلجأون إلى تخصيص كل فصل لشخصية و التحدث باسمها، و أنا أحب هذا الأسلوب و لا أمله أبدا لأنه يجعلك أقرب إلى الشخصيات و يزيد من درجة التشويق، بما أن كل شخصية لا تعرف إلا جانبا من الرواية. و أجد هذا أفضل من أن يكون الكاتب هو الراوي لأنه في هذه الحالة يكون خارج القصة و لأن القصة تصبح على وثيرة واحدة. و حتى عندما توظف إحدى الشخصيات لرواية القصة فمن المفترض أن لا تكون على علم بما تعرفه و تفكر فيه و تحسه الشخصيات الأخرى و إنما تصفها من وجهة نظرها، و في هذه الحالة لا تنقل الرواية إلا وجها واحدا من الحقيقة.  
 
التشويق
عنصر التشويق حاضر و بقوة على طول الرواية. في قصة مريم و عائلتها، كان الكاتب في كل مرة يتحدث فيها بلسان أحد الشخصيات، كان يذكر بعض التفاصيل عن شخصيات أخرى أو عن أحداث حدثت في الماضي دون أن يشرحها للقارئ، و لا يشرحها إلا في فصول لاحقة، و هذا من شأنه أن يرفع درجة التشويق لأن القارئ كي يجمع قطع الأحجية عليه أن يكمل القصة حتى النهاية. و يا لها من نهاية! بالنسبة لي لم تكن متوقعة على الإطلاق. و ما زاد من عنصر التشويق أيضا هو القصة التاريخية الموازية للقصة الرئيسية، و التي لا يعرف القارئ ما علاقتها بالأولى، و هذا يجعله يستمر بالقراءة حتى يكتشف اللغز الذي يربط بينهما.

تقييم
أول ما قرأت لأحمد خيري العمري كان رواية بعنوان "ألواح و دسر"، و هي رواية حاول الكاتب من خلالها أن يعبر عن واقعنا الحالي و لكن في قالب يشبه قصة نوح و السفينة. صحيح أن رسالة الكاتب أعجبتني و احترمت رغبته في أن يقدم أدبا هادفا، و لكن أسلوب الرواية كان مباشرا لدرجة مبالغ فيها و القصة كانت مستهلكة نوعا ما. بعد ذلك قرأت للكاتب كتبا أخرى ك "البوصلة القرآنية"، و "سلسلة كيمياء الصلاة" و "سلسلة ضوء في المجرة"، و وجدتها كلها كتبا قيمة من شأنها أن تثري مكتبة الفكر الإسلامي حتى و إن كنت أختلف معه أحيانا في بعض التفاصيل. ثم قرأت له بعد ذلك رواية "أبي اسمه إبراهيم" و تأكدت حينها أن الكاتب يبدع في كل ما هو فكري و لكن كتاباته الأدبية ليست بنفس المستوى، و هذا ما لم يشجعني أن أقرأ له روايات أخرى.

في بداية هذا العام، أهدت لي صديقة رواية "كريسماس في مكة" و شجعتنى على قراءتها و هذا ما فعلته بالفعل. و أعترف الآن أني كنت مخطئة عندما حكمت على الكاتب من رواياته السابقة. فالقصة رائعة على جميع المقاييس و يبدو أن الكاتب قطع أشواطا طويلة ليصل إلى هذا النضج الأدبي و المستوى المتميز في الكتابة. و أذكر هنا أني لست ناقدة متخصصة و إنما فقط قارئة تعبر عن رأيها الشخصي. في الحقيقة، نادرا ما تشدني رواية كما فعلت هذه الرواية. فبالرغم أن عنصر التشويق حاضر بقوة، إلا أنني كنت أتثاقل في قراءتها حتى أطيل وقت استمتاعي بها. إنها قصة تعبر عنا جميعا و عن التناقضات و التحديات التي نعيشها كمسلمين في واقعنا الحالي، و هذا ما يجعلك تتعاطف مع شخصياتها و تعيش معهم كل الأحداث التي تشبه نوعا ما أحداثا مررت بها و تتفهم مشاعرهم التي بالتأكيد أحسست بها يوما ما. 

عادة عندما أقرأ رواية ما، أبين نقاط الاتفاق و الاختلاف مع الكاتب، و لكن هذه الرواية شلت قدرتي على النقد و جعلتني أتحيز لها تماما، و لذلك فتقييمي لها هو 5/5. 

آمال

No comments:

Post a Comment