Sunday, March 31, 2013

ديوان الشافعي - مختارات

قرأت مؤخرا ديوان الشافعي و راقني شعره كثيرا سواء من حيث الأسلوب أو المضمون، فالأسلوب يتميز بسلاسته و لغته البسيطة التي يتسنى لكل شخص فهمها، و أما من ناحية المضمون، فشعره في الأغلب عبارة عن نصائح و عبر يتناول مواضيع متعددة كالقيم و الأخلاق و تزكية النفس و أهمية العلم. و لذلك اخترت بعض الأبيات من هذا الديوان لمشاركتها معكم.

طلب العلم

لم أجد لذة السلامة حتى
صرت للبيت والكتاب جليسا
إنما الذل في مخالطة الناس
فدعهم تعش أميرا رئيسا

***************

اصبر على مـر الجفـا من معلم
فإن رسوب العلم في نفراته
ومن لم يذق مر التعلم ساعــة
تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابــه
فكبر عليه أربعا لوفاتــه
وذات الفتى والله بالعلم والتقى
إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته

***************

شَكَوتُ إلَى وكيع سوء حفظي
فأرْشدني إلَى تَرك المعاصي
وأخبَرنِي بأَنَّ العلْمَ نُور
ونورُ الله لا يهدى لعاصي

***************

العِلمُ صَيد والكِـــــــتابة قَيده
قَيِّدْ صيودكَ بالحـــبال الواثقَة
فمن الحماقة أَن تصيدَ غزالَة
تَترُكها ما بين الخلائق طالقةَ

***************

بقدرِ الكدِّ تُكتسب المعالي
ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن رام العلا من غير كد
أضاع العمر في طلب المحال
تروم العز ثم تنام ليلاً
يغوص البحرَ من طلب اللآلي

***************

لا يدرك الحكمة من عمره
يكدح في مصلحة الأهـل
ولا ينال العلـم إلا فتـى
خال من الأفكار والشغـل
لو أن لقمان الحكيم الـذي
سارت به الركبان بالفضل
بلى بفقـرٍ وعيـالٍ لمـا
فرق بين التبـن والبقـل
 
خشية الحساب

ونزعُ نفس وردُّ أمسِ
لَقَلْعُ ضِرس وضربُ حبس
ودبغُ جلدٍ يغير شمسِ
وقرّ برد وقوْدُ فرد
وصرفُ حبّ بأرضِ خرسِ
وأكل ضبّ وصيدُ دبّ
وبيعُ دارٍ بريعِ فلس
ونفخُ نارٍ وحمل عارٍ
وضربُ إلفٍ بحبلِ قلسِ
وبيعُ خفّ وعدمُ إلفِ
يرجو نوالاً ببابِ نحسِ
أهونُ من وقفة الحرِّ


الدعاء و المناجاة

أنت المعد لكـل ما يتوقـع
يا من يرى ما في الضمير ويسمع
يا من إليه المشتكى والمفـزع
يا من يرجّى للشــدائد كلها
امنن فإن الخير عندك أجمع
يا من خزائن فضـله في قول كن
فبالافتــقار إليك فقري أدفع
مالي سوى فقـري إليك وسيلة
فـإذا رددت فـأي باب أقــرع
مالي سوى قرعي لبابك حــيلة
إن كان جودك عن فقيرك يمنع
ومن الذي أرجو وأهتف باسمه
الجود أجـزل والمواهب أوســع
حاشـا لفضلك أن تقنـط راجيا


فوائد السفر

مِن راحة فَدعِ الأَوطانَ واغتَربِ
ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ
وانصبْ فإنَّ لَذيذ الْعيش في النَّصَبِ
سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ
إِن ساح طاب وإن لم يجر لم يطبِ
إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ
والسَّهم لولا فراقُ القوسِ لم يصب
والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست
لَملَّها النَّاس من عجمٍ ومن عربِ
والشمس لو وقفت في الفلكِ دائمة ً
والعودُ في أرضه نوع من الحطب
والتبر كالتُّرب ملقَى ً في أَماكنه
وإن تغرَّب ذاك عزَّ كالذَّهبِ
فإن تغرَّب هذا عزَّ مطلبهُ

***************

وسافرْ ففي الأَسفَار خمسُ فوائد
تغرَّبْ عَن الأَوطَان في طَلَبِ الْعلُى
وعلم، و آداب، وصحبة ُ ماجد
تَفَرُّج همٍّ، و اكتساب معيشة ٍ


الزمن

وما لزماننا عيبٌ سوانا
نعيب زماننا والعيب فينا
ولو نطق الزمان لنا هجانا
ونهجو ذا الزمانَ بغير ذنبٍ
ويأكلُ بعضنا بعضاً عيانا
وليسَ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ


التفاؤل

ذرعا وعند الله منها المخرج
ولرب نازلة يضيق لها الفتى
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها


التوكل على الله

وأيقنتُ أنَّ اللهَ لا شكٌ رازقي
تَوكلتُ في رزقي عَلَى اللَّهِ خالقي
ولَو كَان في قاع البحار الغوامق
وما يك من رزقي فليس يفوتني
ولو لم يكن مني اللسانُ بناطقِ
سيأتي بهِ اللهُ العظيمُ بفضلهِ
وقد قسم الرَّحمنُ رزق الخلائق
ففي أي شيءٍ تذهبُ النفسُ حسرة ً


الرضى

نعم، وتهون الأمور الصِّعابُ
سيُفتَح بابٌ إِذا سُدَّ بابُ
تضيق المذاهب فيها الرِّحابُ
ويتَّسع الحال من بعد ما
فلا الهمُّ يجدي، ولا الاكتئابُ
مع الهمِّ يُسران هوِّن علَيك
فلَم يُرَ من ذاك قدرٌ يُهَابُ
فكَم ضِقت ذرعاً بِما هِبته
ولا أَرَّق العين منه الطِّلابُ
ورزْق أَتاك ولَم تَأته
فما دُون سائلِ ربِّي حِجابُ
إِذا احتجب النَّاس عن سائلٍ
وراجيه فِي كلِّ حين يُجابُ
يعود بفضلٍ علَى من رجاهُ


قبول العذر

إنْ يرَ عندكَ فيما قال أو فجرا
اقبل معاذيرَ من يأتيكَ معتذراً
وقد أجلَّكَ من يعصيكَ مستترا
لقد أطاعكَ منْ يرضيك ظاهره

***************

ومقام الفتى على الذل عار
قيل لي قـد أسـا إليك فلان
دية الذنب عندنـا الاعتذار
قلت قد جاءني وأحدث عذرا


العفو

من التقصير عذر أخ مقر
إذا اعتذر الصديق إليك يوما
فإن الصفح شيمة كل حر
فصنه عن عتابك واعف عنه


الثقة بالنفس

والْعَيشُ عَيشانِ ذا صفو وذا كَدَرُ
الدَّهر يَوْمانِ ذا أَمن وذا خطَرُ
وتَستَقر بأقصى قاعِه الدُّرَرُ
أَما تَرى الْبحرَ تَعلُو فوقهُ جيَف
ولَيس يكسف إلا الشَّمسُ وَالْقَمرُ
وفي السَّماءِ نُجوم لا عداد لَها


الإعراض عن الجاهل

فخير من إجابته السكوت
إذا نطق السفيه فلا تجبه
وإن خليته كـمدا يمـوت
فإن كلمته فـرّجت عنـه

***************

وأنظمُ منثوراً لراعية الغنمْ؟
أأنثرُ دراً بين سارحة  البهم
فلَستُ مضَيعاً فيهمُ غرر الكلَمِ
لعمري لئن ضيعتُ في شرِّ بلدة ٍ
وصادفتُ أهلاً للعلوم وللحكم
لَئن سهَّل اللَّه العزيز بِلطفه
وإلاّ فمكنونٌ لديَ ومكتتمْ
بثثتُ مفيداً واستفدتُ ودادهمْ
ومن منع المستوجِبين فقد ظلم
ومن منح الجهّال علماً أضاعهُ

***************

فلا أنت محمود و لا الرأي نافعه
و لا تظهرن الرأي من لا يريده


فضل الصمت

إذَا لَمْ أجِدْ رِبحاً فَلَسْتُ بِخَاسِرِ
وجدتُ سكوتي متجراً فلزمتهُ
وتاجرهُ يعلو على كل تاجرِ
وَمَا الصَّمْتُ إلاَّ في الرِّجَالِ مَتَاجرٌ


عدم الاكتراث لكلام الناس

و لو أنَّه ذاك النَبِيُّ المطَهَّر
وما أحدٌ من ألسُن الناس سالما
وإِن كان مفضالاً يقولونَ مُبذِر
فَإِن كان مقداماً يَقولون أَهوج
وإِن كان منطيقاً يقولونَ مِهذَرُ
وإِن كان سكّيتاً يقولون أَبكم
يقولون زرّافٌ يرائي ويمكرُ
وإِن كان صوّاماً وبِالليلِ قائماً
ولا تَخش غير الله فَاللَه أكبرُ
فَلا تحتفل بِالناس في الذمِّ والثَنا


أدب النصح

وجنبني النصيحة في الجماعة
تغــمدني بنصحك في انفرادي
من التوبيخ لا أرضى استماعه
فإن النصح بين الناس نوع
فلا تجزع إذا لم تعط طاعـــــة
وإن خالفتني وعصيت قولي


أدب المناظرة

بما اختلف الأوائلُ والأواخر
إذا ما كنت ذا فضلٍ وعلمٍ
حليماً لا تلحُ ولا تكابر
فناظر من تناظر في سكونٍ
من النُّكَت اللَّطيفةِ والنَّوادر
يفيدك ما استفاد بلا امتنانٍ
بأني قد غلبتُ، ومن يفاخر
وإياك اللَّجوج ومن يرائي
يمنِّي بالتقاطع والتدابر
فإنَّ الشرَّ في جنبات هذا


كتمان السر

ولام عليه غيرهُ فهو أَحمق
إذا المرءُ أفشى سرَّهُ بلسانهِ
فصدرُ الذي يستودعُ السرَّ أضيق
إذا ضاق المرءِ عن سرِّ نفسهِ


الاعتماد على النفس

فتول أنت جميع أمـرك
ما حك جلدك مثل ظفرك
فاقصد لمعترفٍ بقدرك
وإذا قصـدت لـحاجـةٍ


ترك الغيبة

و دينُكَ موفورٌ وعرضكَ صَيِنُّ
إذا رُمتَ أن تَحيا سليماً من الأذى
فكلكَ عَوراتٌ وللنّاس ألسُنُ
لسانك لا تذكر به عورة امرئٍ
فدَعها وقُل يا عَينُ للنّاسِ أعينُ
وعيناك إن أبدت إليك مَعايِباً
ودافع ولكن بالتي هِي أحسنُ
وعاشر بِمعروفٍ وسامح من اعتدى


أهمية المظهر

زين الرجال بها تعز وتكرم
حسن ثيابك ما استطعت فإنها
فالله يعلم ما تسر وَتكتم
ودع التواضع في اللباس تخشنا
عند الإله وأنت عبد مجرم
فَرثاث ثوبك لا يزيدك رفعة
تخشى الإله وتتقي ما يحرم
وجديد ثوبك لا يضرك بعدما


احترام العلماء

إمامُ المسلمين أبُو حنيفة
لقد زان البلادَ ومن عليها
كآيات الزَّبُور علَى الصَّحيفة
بأحكام وآثار وفقه
ولا بالمغربين ولا بكوفه
فما بالمشرقين له نظيرٌ
مدى الأيَّام ما قُرئت صحيفة
فرَحمة ربِّنا أبداً عليه

***************

قلت : الفضائل لا تفارق منزله
قالوا : يزورك أحمد وتزوره
فلفضله ، فالفضل في الحالين له
إن زارني فبفضله أو زرته


ٱمال

2 comments:

  1. السلام عليك امال
    شكرا جزيلا لمشاركتك لنا هذه المقطوعات الموسيقية الجميلة المفعمة بالحياة
    لقد اعجبتني طريقة عرضك للأبيات فهي تعبر بشكل جيد عما يحسه كل شخص يقرأ هذا الديوان
    فالمرء يشعر و كأنه نحلة في جنة من الجنان يتنقل من زهرة الى اخرى ليمتص رحيق الحكمة والمعرفة و ترفرف روحه في عالم من الأنوار و كانها فراشة أغرتها بريق الكلمات فما تفتأ تدور و تدور لعلها تكتشف سرا من اسرارها المشعة

    ReplyDelete
  2. أنا التي أشكرك رشا على هذا التعليق الرائع، أو دعيني أقول هذه القصيدة الجميلة :)
    في الحقيقة، هذا بالفعل ما شعرته و أنا أقرأ شعر الشافعي، إنه فعلا رياض من الحكمة و الجمال، فهو يضرب عصفورين بحجر واحد، يقدم لك مواعظ قيمة بكلمات عذبة و جميلة. و هذا دليل أن الشعر أيضا قد يكون له رسالة سامية، المهم أن يستعمل بشكل صائب و أن يبتعد أن الابتذال.

    ReplyDelete